لا يمكن للشعر، في تقديري، أن يكون شعرًا حقيقيًا إذا كان مباشرًا ودقيقًا وصريحًا كفقرةٍ مستلةٍ من كتاب فيزياء. بل لا يكون الشعر شعرًا إلا إذا رافقه إحساسٌ بالاكتشاف، وشعورٌ عميقٌ بالحقيقة المتوارية. كما لا يمكن أن يرتقي الشعر إلى مستواه الحقيقي إلا إذا كان مدعومًا بوعيٍ عميقٍ بواقع العالم، ونظرةٍ فلسفيةٍ خاصةٍ للأشياء، أو ما يمكن أن نطلق عليه ‘الثقافة’ بمعناها الواسع.

الشعر والجمال والمتعة، طاقات إبداعية خلاقة تتجلى فيها النفس، ويكافئ بها الإنسان ذاته بما يبدع من قول أو كتابة، غير آبهٍ بما يأتيه من نقد الآخرين أو إطراء. إنها مكافأة للذات، تخفف عنها عناء العمل، أو هي هروبٌ من سأم الملل والرتابة، وممارسةٌ لصنع الكلمات الجميلة التي تنطق بالمشاعر الإنسانية الصادقة. ولا أعني هنا الشعر الذي يُكتب تكسبًا للمال أو طلبًا للشهرة، أو نفاقًا من أي نوع كان.

هل خطر ببالك أن تتأمل منظر غروب الشمس أو طلوع الفجر؟ وهل فكرت أن ترسم هذا المنظر لا بالألوان بل بالكلمات؟ هذا هو جوهر الشعر. إننا نتأمل الكون ومخلوقات الله على الأرض، ونراقب النجوم، ثم نستوحي المعاني الجميلة، ونفتش في اللغة فنجد الكلمات الرقيقة للتعبير عنها في نسق لغوي بديع تطرب له الآذان عند سماعه، وتعشقه العين عند قراءته.