لا يمكن للشعر، في تقديري، أن يكون شعرًا حقيقيًا إذا كان مباشرًا ودقيقًا وصريحًا كفقرةٍ مستلةٍ من كتاب فيزياء. بل لا يكون الشعر شعرًا إلا إذا رافقه إحساسٌ بالاكتشاف، وشعورٌ عميقٌ بالحقيقة المتوارية. كما لا يمكن أن يرتقي الشعر إلى مستواه الحقيقي إلا إذا كان مدعومًا بوعيٍ عميقٍ بواقع العالم، ونظرةٍ فلسفيةٍ خاصةٍ للأشياء، أو ما يمكن أن نطلق عليه ‘الثقافة’ بمعناها الواسع.
الشعر هو محتوى وشكل يتفاعلان في تآلفٍ وانسجام، لينتج عنهما سيمفونياتٍ لغويةً وأدبيةً وفنيةً باهرة، تعبر عن عمق ذكاء الإنسان، وتبرهن على تميزه الفريد عن سائر المخلوقات.
الشعر والجمال والمتعة، طاقات إبداعية خلاقة تتجلى فيها النفس، ويكافئ بها الإنسان ذاته بما يبدع من قول أو كتابة، غير آبهٍ بما يأتيه من نقد الآخرين أو إطراء. إنها مكافأة للذات، تخفف عنها عناء العمل، أو هي هروبٌ من سأم الملل والرتابة، وممارسةٌ لصنع الكلمات الجميلة التي تنطق بالمشاعر الإنسانية الصادقة. ولا أعني هنا الشعر الذي يُكتب تكسبًا للمال أو طلبًا للشهرة، أو نفاقًا من أي نوع كان.
الشعر للعيون الجميلة، ولابتسامات الأطفال، ولألوان الطبيعة بأشكالها المتعددة. الشعر للمعاناة، للانتظار، للموعد الذي نُعذَّب انتظارًا له، وللشوق في القلوب العطشى.
الشعر إيحاءات وإيماءات وتخيلات تُرسم بالكلمات، صور ومشاعر وتأملات ترافقها موسيقى عذبة داخلية تتخلل سيل الكلمات وانسيابها، وحوار هادئ بين الشاعر وقصيدته. فكل قصيدة هي مولود جميل يولد للتو، ينتظر تعميده لينضم إلى جماهير الأعمال الفنية الجميلة.
ألحان وآلام، ومواويل وخواطر تنتظم في أسطر بطريقة مخصوصة، تكمن فيها حساسية مرهفة للأشياء، وعمق في فهم الأمور.
الشعر محاولة صادقة لسبر أغوار الروح، وكشف الحقيقة، والتعبير عنها. إنه تعبير عن المشاعر والآراء مدعومة بالعاطفة الجياشة؛ فلا شعر ولا فن يكتمل دون عاطفة صادقة.
هل خطر ببالك أن تتأمل منظر غروب الشمس أو طلوع الفجر؟ وهل فكرت أن ترسم هذا المنظر لا بالألوان بل بالكلمات؟ هذا هو جوهر الشعر. إننا نتأمل الكون ومخلوقات الله على الأرض، ونراقب النجوم، ثم نستوحي المعاني الجميلة، ونفتش في اللغة فنجد الكلمات الرقيقة للتعبير عنها في نسق لغوي بديع تطرب له الآذان عند سماعه، وتعشقه العين عند قراءته.
إنه التجربة التي يعيشها الإنسان حين يتصور ويتخيل موضوع القصيدة، مثل أن نتخيل شجرة؛ لا بد أن نراها حتى لو لم تكن ماثلة أمامنا، ثم نتصور مشاعرنا نحوها بكل تفاصيلها: رائحتها، منظرها، شكلها، وغير ذلك.
تعالوا نتخيل منظر النار مثلًا، ونتصور اللهب وألسنة اللهب وهي تمتد لتطال الأشياء، ونتأمل مشاعرنا نحو الدفء المنبعث منها أو الخوف من انتشارها.