إن الشعر ارتحالٌ عن عالم الواقع، وانسحابٌ إلى فضاء الخيال البهيّ، حيث تتجلى عوالم الأحلام والتأملات، ويتحقق كل شيء في عالم العدم. جرب أن تغمض عينيك لحظات، وتستنشق عبير الزهور في الحديقة، أو ربما تلمس بتلاتها الرقيقة (مع الحرص على عدم قطفها). بعد ذلك، تناول قلمًا ودَوِّنْ ما يجول بخاطرك.

إن الأوزان والقافية عنصران مهمان في بناء الشعر، لكن يجب استعمالهما بحذرٍ وعناية. فإذا جاءت القافية، التي هي موسيقى الكلمات، بشكلٍ عفويٍّ وسلس، فذلك هو المراد. أما إذا استلزم الأمر التضحية بالمعنى العميق أو الصورة الفنية البديعة من أجل الحفاظ على الوزن أو القافية، فلا أرى ضرورة لذلك.

إن القارئ وحده هو من يمتلك حق تأويل المعاني الكامنة في القصيدة وفهمها. ولا مبرر للشاعر أن يسعى لتفسير كل جزئية فيها، خشية أن تتحول القصيدة إلى موعظة مباشرة أو نص إرشادي يفتقر إلى الجاذبية. فالشعر في جوهره احترام لذكاء القراء وتقدير لأذواقهم، ويجب أن يُترك لهم فضاء واسع للتأويل والتفسير.

ما الشعر إن لم يكن لإثارة الأحاسيس الرقيقة لدى كاتبه أو سامعه أو قارئه على حد سواء؟ وما الشعر إن لم يكن ذلك الشعور الفياض الذي يداعب عيون البشر وآذانهم وعقولهم ووجدانهم؟ لا أقصد كل البشر، بل أولئك الذين يمتلكون حظاً من الحس الموسيقي والذوق اللغوي، والقلوب التي تتوق لتذوق الجمال في بديع خلق الله.