الشعر موهبة فطرية ومثابرة دؤوبة لصقل تلك المنحة الإلهية؛ إنه مناجاة الروح للروح، وأشياء أخرى تُدرك بالوجدان.
إن الشعر ارتحالٌ عن عالم الواقع، وانسحابٌ إلى فضاء الخيال البهيّ، حيث تتجلى عوالم الأحلام والتأملات، ويتحقق كل شيء في عالم العدم. جرب أن تغمض عينيك لحظات، وتستنشق عبير الزهور في الحديقة، أو ربما تلمس بتلاتها الرقيقة (مع الحرص على عدم قطفها). بعد ذلك، تناول قلمًا ودَوِّنْ ما يجول بخاطرك.
إن صياغة الشعر جزءٌ لا يتجزأ من عالم الأحلام، ولا بد للشاعر أن يكون حالمًا بطبعه. سواء كانت أحلام يقظةٍ عميقة، أو تحديقًا في الفراغ قد يبدو غريبًا للبعض. فحين يتنفس الدماغ، ويتحرر العقل من قيود الواقع وقوالب المجتمع الصارمة، يصبح الشعر ممكنًا، وتتفتح آفاق الإبداع.
إن الأوزان والقافية عنصران مهمان في بناء الشعر، لكن يجب استعمالهما بحذرٍ وعناية. فإذا جاءت القافية، التي هي موسيقى الكلمات، بشكلٍ عفويٍّ وسلس، فذلك هو المراد. أما إذا استلزم الأمر التضحية بالمعنى العميق أو الصورة الفنية البديعة من أجل الحفاظ على الوزن أو القافية، فلا أرى ضرورة لذلك.
إن القارئ وحده هو من يمتلك حق تأويل المعاني الكامنة في القصيدة وفهمها. ولا مبرر للشاعر أن يسعى لتفسير كل جزئية فيها، خشية أن تتحول القصيدة إلى موعظة مباشرة أو نص إرشادي يفتقر إلى الجاذبية. فالشعر في جوهره احترام لذكاء القراء وتقدير لأذواقهم، ويجب أن يُترك لهم فضاء واسع للتأويل والتفسير.
يحتوي الشعر على الوصف، وعلى السخرية، وعلى النقد، وعلى الخواطر والتأملات. إن مصادر الفكرة الشعرية متعددة ومتنوعة، فوسائل الإلهام تنبع من صميم الواقع، ومن الملاحظات والمشاهدات اليومية، ومن تفاعلاتنا مع الناس والأشياء على حد سواء، سواء كانت جميلة أم غير جميلة.
ما الشعر إن لم يكن لإثارة الأحاسيس الرقيقة لدى كاتبه أو سامعه أو قارئه على حد سواء؟ وما الشعر إن لم يكن ذلك الشعور الفياض الذي يداعب عيون البشر وآذانهم وعقولهم ووجدانهم؟ لا أقصد كل البشر، بل أولئك الذين يمتلكون حظاً من الحس الموسيقي والذوق اللغوي، والقلوب التي تتوق لتذوق الجمال في بديع خلق الله.
ما الشعر إن لم يكن مصدره ذلك اللغز العذب الذي يُسمى إلهاماً؟ وما إدراكنا كنه الإلهام؟ وما الشعر إن لم يكن فناً كسائر الفنون، لا يكتمل إلا بالجمال الذي يأسر حواس الإنسان، إن بقي لديه منها شيء.
الشعر جمال وغموض محبب يبعث النشوة في القلوب، هو شلال يتدفق من مشاعر الإنسان حين يحدث ذلك التفاعل الغريب والمفاجئ بين عناصر الطبيعة وعناصر الإنسان وعناصر اللغة.