إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة، ويأتي وقد شتم عرض هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا. فيُقعد، فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار.
رباعيات حيرة طائفٌ قد طافَ بي في السَّحَرِ، ساكبًا في عدمٍ يصخبُ كأسَ العمرِ. صحتُ: يا مولاي، ما هذا الذي تفعلهُ؟ شَذَرَ المولى، فذابت مهجتي بالشَّذَرِ. قمتُ مذهولًا إلى إبريقِ خمري ثملًا، علَّني أطفئُ نيرانَ ارتباكي بالطلا. سكبَ الإبريقُ في كأسي فراغًا صامتًا. آهِ مولاي، فراغُ الكأسِ بالصمتِ امتلأ. انقر الكأسَ إذا ما نضبت، واشرب رنينَ الكأسِ، واثمل بالرنين. كلُّ كأسٍ خمرةٌ، حتى إذا كان بها ماءٌ حزين. فإذا ما لائمٌ لامَكَ فيها، قل: صحيحٌ، إنما من يُسكِتُ الأوجاعَ في ليلٍ بلا دنيا ودين؟ ثمَّ طيرٌ يُرسلُ الشكوى، كم الصوتُ مرير! باكيًا في قفصِ الغربةِ، لا يدري بماذا يستجير. إنه مثلي كسيرُ القلبِ. اشرب، ليس عدلٌ أنَّ طيرًا ذا جناحٍ لا يطير. غمزَ الصاحونَ أني ثملٌ، ما كذبوا. جئتني من لُبَّةِ القلبِ، أنا مضطرب. لم أعد أبصرُ غيرَ تعدادكَ يا واحدُ، يا كلُّ. لهذا أشربُ. تبتلي العاشقَ بالحزنِ وبالخمرِ كثيرًا. زد من الاثنينِ، فالصحوُ من العشقِ خطيرُ. جثمَ الحملُ على ظهري ولم أجثُ، وما زلتُ على الدربِ أسيرُ. ما لبعضِ الناسِ يرميني بسكري في هواك، وهو سكرانٌ عماراتٍ يسميها رضاك؟ يا ابنَ جيبينِ حرامًا، إنني أسكرُ كي أحتملَ الدنيا التي فيها أراك. مرَّ ريقي بحروبِ الجهلِ من كلِّ الجهاتِ، أفلا تملأ إبريقي بساتينُ الفرات؟ قلقًا أدعو شتاتَ الطيرِ: لمُّوا الشملَ، ما الموتُ سوى هذا الشتات. الثلاثونَ من الغربةِ قد ضاعت سُدًى، لم يعد للطائرِ الحرِّ سوى صمتِ جناحيهِ مدى. كسماواتِ الأغاني امتلكتها أنكرُ الغربانِ صوتًا، ولقد أيُّ حمارٍ يملكُ الجوَّ غدًا؟ لِمَ تأخرتَ عن الموعدِ ساعاتٍ وقد كادَ النهارُ؟ اعذريني، كان توقيتي على القمةِ، لم أدرِ إلى الخلفِ تُدار. كلُّ ما قالوه معقولٌ، ولكن من يصدقُ ذرةً منهُ حمارٌ. سيدي، تمَّ غنائي، إنما عتبٌ صغير: لِمَ لَمْ تجعل لبعضِ الناسِ أشكالَ الحميرِ؟ فتريحَ الناسَ منهم، أم تُرى أنَّ المطايا سوف تحتجُّ على هذا المصير؟
ترك أعضاءه ومضى. بلا قدم ولا يد ولا قلب ولا أحشاء، قال: سأكون خفيفًا هكذا، وراح. الريح التي لعبت بشعره ذات يوم تلعب الآن بفراغه. خفيفٌ حتى الإنهاك من مشقة الخفة، تائهٌ حتى الطفح بكثرة تشعبات الفراغ. لا، ما هكذا، قال: ما هكذا يكون الضجر الشريف. ومدَّ فراغًا منه إلى الوراء، كما كان يمدُّ يدًا لالتقاط شيء. مدَّ تجويفَ نظرة، مدَّ تخيُّلَ صوت. الوراء بعيدٌ جدًا، الأمام بعيد جدًا. لا عودة، لا وصول. لكنه ليس ذاهبًا إلى مكان، ولا يذكر أنه ترك أعضاءً ولا يشعر أنه خفيف. لم يكن ضجرًا من مكان ولا مكان له كي يتركه ولا مقصد كي يذهب إليه. ولم ينتبه إلى نظرة خرجت منه إلى ناحية أخرى، ولا خيالَ صوتٍ له، ولا يقوى على مدِّ فراغ.
أنا لا أذكر شيئًا من حياتي الماضية، أنا لا أعرف شيئًا من حياتي الآتية. لي ذاتٌ غير أني لستُ أدري ماهيتها. فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟ لستُ أدري!
أحسِنْ وإن لم تُجْزَ إلا بالثناء، فأيُّ جزاءٍ يبتغيه الغيثُ إن هَمَى؟ ومن ذا يكافئُ زهرةً فواحةً، أو من يثيبُ البلبلَ المترنما؟ عُدَّ الكرامَ المحسنين وقِسْهُمُ بهما، تجدْ هذين منهم أكرما. يا صاحِ، خُذْ علمَ المحبةِ عنهما، إني وجدتُ الحبَّ علمًا قَيِّمَا.
كنتُ أعرفُ يا الله أنكَ لن تتركني، وأنكَ ستكونُ معي كما تفعلُ دائمًا. لكن أن تقفَ بعتبةِ بابي، وتغمرَ روحي بالماءِ دونَ سابقِ إلهامٍ، فهذا ما لم أخططْ له، ولم تكن سجداتي المكرسةُ للدعاءِ تطلبه، أو تطمحُ إليه. أنا هنا يا الله، مجردةً من كلِّ شيء، إلا من مطرٍ ينهمرُ من سمائِكَ، ومن شكرٍ لا يليقُ إلا بكَ، ولا أفيكَ رغمَ كلِّ ذلك. شكرًا لكَ يا الله، لأني في كلِّ مرةٍ أحاولُ الصعودَ إليكَ، تنزلُ إليَّ، وتهمسُ في أذني: “لستِ وحدكِ”. وما كنتُ يومًا وحدي يا الله، وأنتَ معي.
كل حكمٍ يصدره الضمير، سواء أكان صوابًا أم خطأً، وسواء أكان متعلقًا بأمورٍ سيئةٍ في ذاتها أم بأمورٍ محايدةٍ أخلاقيًا، فإنه يُلزم صاحبه بالضرورة. وعليه، فإن من يتصرف ضد ضميره يخطئ دائمًا.