أدب روحي
نص موثق
«

كنتُ أعرفُ يا الله أنكَ لن تتركني، وأنكَ ستكونُ معي كما تفعلُ دائمًا. لكن أن تقفَ بعتبةِ بابي، وتغمرَ روحي بالماءِ دونَ سابقِ إلهامٍ، فهذا ما لم أخططْ له، ولم تكن سجداتي المكرسةُ للدعاءِ تطلبه، أو تطمحُ إليه. أنا هنا يا الله، مجردةً من كلِّ شيء، إلا من مطرٍ ينهمرُ من سمائِكَ، ومن شكرٍ لا يليقُ إلا بكَ، ولا أفيكَ رغمَ كلِّ ذلك. شكرًا لكَ يا الله، لأني في كلِّ مرةٍ أحاولُ الصعودَ إليكَ، تنزلُ إليَّ، وتهمسُ في أذني: “لستِ وحدكِ”. وما كنتُ يومًا وحدي يا الله، وأنتَ معي.

»
هديل الحضيف العصر الحديث

جوهر المقولة

تعبر هذه المقولة عن تجربة روحانية عميقة، تتجاوز مجرد الإيمان بوجود الله إلى استشعار حضوره الفعلي والمباشر في أدق تفاصيل الحياة. تبدأ الكاتبة بتأكيد معرفتها اليقينية بأن الله لن يتخلى عنها، وهي معرفةٌ مبنيةٌ على تجارب سابقة وعلى طبيعة العلاقة بين العبد وربه.

لكن المفاجأة تكمن في تجاوز هذا الحضور المتوقع إلى تجلٍّ إلهي غير مخطط له، يوصف بـ "الوقوف بعتبة الباب" و"غمر الروح بالماء"، وهي استعاراتٌ تشير إلى فيضٍ من الرحمة والعطاء الإلهي الذي يأتي دون طلبٍ صريح أو سعيٍ خاص، بل هو هبةٌ خالصةٌ تتجاوز كل التوقعات والخطط البشرية.

تُظهر الكاتبة حالة من التجرد التام أمام هذا العطاء، فلا تملك إلا الشكر والامتنان. وتُختتم المقولة بفكرة فلسفية عميقة عن العلاقة بين العبد وربه: فبينما يسعى الإنسان جاهدًا للتقرب إلى الله، ينزل الله إليه بلطفه ورحمته، مؤكدًا له أنه ليس وحيدًا. هذا النزول الإلهي ليس ماديًا، بل هو شعورٌ بالدعم والعناية الإلهية التي تحيط بالفرد، وتؤكد له أن وحدته الظاهرية هي في حقيقتها صحبةٌ أبديةٌ مع الخالق.