قلتُ لها: ينبغي ألا يقترن الناس إلا لإنجاب من هو أرقى وأفضل حالًا؛ طفلٍ أبهى منك جمالًا، وأوفر منك مالًا، وأشد منك بأسًا. فما الغاية من زواج الشقاء بالتعاسة؟ وما الحكمة من اقتران الهباب بالطين؟ أي جديدٍ سنقدمه للعالم سوى مزيدٍ من البؤس؟
إن أحياء باريس الفقيرة هي مجمعٌ لأناسٍ غريبي الأطوار؛ قومٌ انحدروا إلى مهاوٍ حياتيةٍ منعزلةٍ وشبه جنونيةٍ، وتخلوا عن محاولة أن يكونوا عاديين أو معقولين. لقد حررهم البؤس من المقاييس المألوفة للسلوك، تمامًا كما يحرر المال الناس من عناء العمل.
كان شعورًا يملؤه الأسى على هذا الوطن الذي كنا نراه جديرًا بالسعادة، والذي بذلنا في سبيله زهرة شبابنا وكهولتنا، وأفنَينا فيه طاقاتنا وجهودنا، سعيًا لرفعه إلى مصاف النعيم الذي حسبناه أهلًا له. ثم ها نحن أولاء نشهد الشقاء ينهال عليه صبًّا، والبلاء يستشري في كل أرجائه، والآلام والنوائب تتسابق إليه من كل حدب وصوب. نرى البؤس المدقع يغمر جموعًا غفيرة من أهله، فيلاصقهم ملاصقة لا تنفك عنهم ليلًا ولا نهارًا، فَهُمْ جياعٌ عُراةٌ جُهَّالٌ، أشقياء بكل هذا. وما يزيدهم شقاءً أن كثيرًا منهم يدركون هذا البؤس الذي يحيق بهم، ويعلمون أن من حقهم أن ينعموا، ويرغبون في التحرر من بؤسهم، وأن يحققوا شيئًا من النعيم، لكنهم لا يبلغون مرادهم، ولا يدرون سبيل بلوغه، ولا يجدون من يعينهم على تحقيق بغيتهم.
فالله تعالى قادرٌ على أن يمسَّ الأرض بجناح رحمته، فيتيحَ لأهلها جميعًا ما يتمنون من الترف والثراء والنعيم. وهو سبحانه قادرٌ على أن يمسَّ الأرض بجناحٍ من نقمته، فيفرضَ على أهلها ما يكرهون من البؤس والشقاء والعذاب. وما دام الله لم يجعل الناسَ جميعًا سعداء، ولم يجعلهم جميعًا أشقياء، وإنما قسَّم حظوظهم بينهم على هذا النحو الذي نشهده، فليس لنا ولا علينا إلا أن نريحَ أنفسنا، وأن يريح بعضنا بعضًا من اللوم والتوبيخ والتثريب. وأن يرضى كلٌّ منا بما قُسِمَ له من حظ، وأن يحقق السعيد إرادة الله في الأرض فينعمَ بالسعادة أقصى ما يستطيع، وأن يحقق الشقي إرادة الله فيغرقَ في الشقاء إلى كتفيه أو إلى أذنيه، أو إلى شعر رأسه إن شاء.