حكمة
نص موثق
«

كان شعورًا يملؤه الأسى على هذا الوطن الذي كنا نراه جديرًا بالسعادة، والذي بذلنا في سبيله زهرة شبابنا وكهولتنا، وأفنَينا فيه طاقاتنا وجهودنا، سعيًا لرفعه إلى مصاف النعيم الذي حسبناه أهلًا له. ثم ها نحن أولاء نشهد الشقاء ينهال عليه صبًّا، والبلاء يستشري في كل أرجائه، والآلام والنوائب تتسابق إليه من كل حدب وصوب. نرى البؤس المدقع يغمر جموعًا غفيرة من أهله، فيلاصقهم ملاصقة لا تنفك عنهم ليلًا ولا نهارًا، فَهُمْ جياعٌ عُراةٌ جُهَّالٌ، أشقياء بكل هذا. وما يزيدهم شقاءً أن كثيرًا منهم يدركون هذا البؤس الذي يحيق بهم، ويعلمون أن من حقهم أن ينعموا، ويرغبون في التحرر من بؤسهم، وأن يحققوا شيئًا من النعيم، لكنهم لا يبلغون مرادهم، ولا يدرون سبيل بلوغه، ولا يجدون من يعينهم على تحقيق بغيتهم.

»
طه حسين معاصر

جوهر المقولة

تُجسّد هذه المقولة عمق الألم والحسرة التي تعتري نفس المفكر إزاء حال وطنه الذي كان يرى فيه أهلية السعادة والرفعة، بعد أن أفنى هو ورفاقه زهرة أعمارهم وطاقاتهم في سبيل الارتقاء به.

إنها صورة مؤلمة للواقع الذي آل إليه هذا الوطن، حيث يغمره الشقاء والبلاء من كل جانب، وتتوالى عليه النكبات والآلام، فيعيش أهله في بؤس مدقع من جوع وعري وجهل، يلازمهم ليلًا ونهارًا.

تُبرز المقولة جانبًا فلسفيًا عميقًا يتعلق بوعي الأشقياء ببؤسهم وإدراكهم لحقهم في النعيم، ورغبتهم الملحة في التخلص من هذا الشقاء، لكنهم يقفون عاجزين أمام تحقيق مرادهم، لا يجدون السبيل ولا المعين، مما يزيد من عمق مأساتهم ويُلقي بظلال اليأس على آمالهم. إنها صرخة تعكس خيبة الأمل في تحقيق التطلعات الوطنية والإنسانية.