حكمة
نص موثق
«

أتهزأ بالدعاء وتزدريه، وما تدري بما صنع الدعاء؟ سهام الليل لا تخطئ، ولكن لها أمد وللأمد انقضاء. فيمسكها إذا ما شاء ربي، ويرسلها إذا نفذ القضاء.

»
محمد بن إدريس الشافعي العصر العباسي

جوهر المقولة

هذه الأبيات للشافعي تجسد فلسفة عميقة حول قوة الدعاء ومكانته في القدر الإلهي، وتنتقد من يستهين به أو يقلل من شأنه.

البداية استفهام إنكاري "أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟" يوبخ المستهزئ ويشير إلى جهله بالقدرة الخفية للدعاء وتأثيره العظيم.

التشبيه بالسهام "سهام الليل لا تخطئ" يعبر عن فعالية الدعاء وقدرته على اختراق الحجب والوصول إلى المطلوب، خاصة دعاء الليل الذي يكون أرجى للقبول وأكثر إخلاصًا. هذا التشبيه يمنح الدعاء قوة مادية ومعنوية، كأنه سلاح لا يخطئ هدفه.

الجزء الثاني "ولكن لها أمد وللأمد انقضاء. فيمسكها إذا ما شاء ربي، ويرسلها إذا نفذ القضاء" يوضح العلاقة بين الدعاء والقدر. الدعاء ليس بالضرورة أن يستجاب فورًا، بل قد يكون له وقت محدد للاستجابة يعلمه الله وحده. هذا "الأمد" هو جزء من حكمة الله في تدبير الأمور.

الفكرة الفلسفية هنا هي أن الدعاء ليس محاولة لتغيير إرادة الله قسرًا، بل هو عبادة وطاعة وتعبير عن الافتقار إليه، وهو في حد ذاته جزء من القدر. فالله هو الذي يلهم العبد الدعاء، وهو الذي يقدر وقت الاستجابة. الدعاء قد يؤخر بلاء، أو يجلب خيرًا، أو يغير قضاءً معلقًا، أو يكون استجابته في الآخرة.

الشافعي هنا يؤكد على أن الدعاء قوة لا يستهان بها، لكنها تعمل ضمن مشيئة الله وحكمته، وأن الإيمان بالدعاء يستلزم الصبر والثقة في تدبير الله.