إذا كان القرآن الكريم قد استُهلَّ بسورة الفاتحة بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فإن جميع أرباعه الأربعة قد افتُتحت بالحمد لله! فالربع الثاني يبدأ بسورة الأنعام بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والربع الثالث يستهل بسورة الكهف بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، أما الربع الرابع فيفتتح بسورة فاطر بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
إننا لأكثرُ الأممِ تنظيرًا، نُسهبُ في الحديثِ عن العفوِ وقلوبُنا تضطرمُ حقدًا، ونتشدقُ بالعدلِ وأيدينا تلطخُها مظالمُ، وندعو للمساواةِ ونحنُ نُفرّقُ ونُميّزُ. ويُحزُنني أن أُقرَّ بأننا ما نحنُ إلا صورةٌ مصغّرةٌ لحكوماتِنا.
خليليَّ، إن لم يغتفرْ كلُّ واحدٍ منكما عثارَ أخيه، فترافضا. وما يلبثُ الحيانِ، إن لم يتجاوزا كثيرًا من المكروهِ، أن يتباغضا. خليليَّ، بابُ الفضلِ أن تتواهبا، كما أن بابَ النقصِ أن تتعارضا.
من محاسن العفو أن المأمون ظفر برجل كان يطلبه، فلما دخل عليه أمر بضرب عنقه. فقال الرجل: دعني يا أمير المؤمنين أنشدك أبياتاً. فقال (الرجل): زعموا بأن البازَ علقَ مرةً … عصفورَ برٍّ ساقَه المقدورُ فتكلمَ العصفورُ تحتَ جناحِه … والبازُ منقضٌّ عليه يطيرُ ما بي لما يُغني لمثلِكَ شبعةً … ولئن أكلتَ فإنني لحقيرُ فتبسم البازُ المُدِلُّ بنفسِه … كَرَماً وأطلق ذلك العصفورُ فأطلقه المأمون وخلع عليه ووصله.