حكمة
نص موثق
«

من محاسن العفو أن المأمون ظفر برجل كان يطلبه، فلما دخل عليه أمر بضرب عنقه. فقال الرجل: دعني يا أمير المؤمنين أنشدك أبياتاً. فقال (الرجل):
زعموا بأن البازَ علقَ مرةً … عصفورَ برٍّ ساقَه المقدورُ
فتكلمَ العصفورُ تحتَ جناحِه … والبازُ منقضٌّ عليه يطيرُ
ما بي لما يُغني لمثلِكَ شبعةً … ولئن أكلتَ فإنني لحقيرُ
فتبسم البازُ المُدِلُّ بنفسِه … كَرَماً وأطلق ذلك العصفورُ
فأطلقه المأمون وخلع عليه ووصله.

»
المأمون العصر العباسي

جوهر المقولة

توضح هذه الحكاية القوة العميقة والجمال الأخلاقي للعفو. فالرجل المحكوم عليه بالإعدام، وهو يواجه موتاً محققاً، يلجأ إلى استعارة شعرية ليناشد حس الشرف والكرم لدى الخليفة المأمون. تبرز حجة العصفور ضآلته كفريسة للصقر القوي، موحياً ببراعة أن فعل الرحمة من شأنه أن يرفع مكانة القوي بدلاً من أن يقلل منها.

فلسفياً، تتعمق القصة في طبيعة السلطة وممارستها الأخلاقية. فهي تشير إلى أن القوة الحقيقية ليست مجرد القدرة على المعاقبة أو التدمير، بل هي القدرة على إظهار العفو والارتقاء بالنفس فوق الغرائز الدنيا للانتقام. يصبح العفو، في هذا السياق، عملاً من أعمال تأكيد الذات للقوي، يظهر تفوقه الأخلاقي وحكمته، بدلاً من أن يكون علامة ضعف. إنه يحول لحظة عنف محتملة إلى عرض لشخصية نبيلة، مؤكداً أن الرحمة تثري كلاً من المانح والمستلم.