إن الإخلاص أساسُ النجاحِ، وإن اللهَ بيده الأمرُ كله، وإن أسلافَكم الكرامَ لم ينتصروا إلا بقوةِ إيمانهم، وطهارةِ أرواحهم، وذكاءِ نفوسهم، وإخلاصِ قلوبهم، وعملهم عن عقيدةٍ واقتناعٍ.
إن انتماءك إلى الله ارتقاءٌ إليه، واتباعك للشيطان انحدارٌ وارتماءٌ عليه. وشتان بين من يسمو إلى ملكوت السماوات، ومن يهوي إلى أسفل الدركات.
إن صلة المسلم بالناس ينبغي أن تشملها السماحة، ويظللها الحلم، ويحيط بها العفو والتجاوز، مع ضبط النفس. ذلك من علامات التقوى، وأمارات الإيمان، ودلائل قوة النفس وعظمتها، واعتدادها بإيمانها، وارتفاعها عن سوءات الحقد ومشاعر السوء.
لا تستصغر عملًا أقدمت عليه بنية صادقة، فالقليل المقترن بالإخلاص كثير، والكثير الممزوج بالرياء قليل. والمحاسب الخبير لا يُعجبه كثرة الدنانير، بل يُعجبه جودتها وصلاحها.
إن عرفت ربك من جهة الإيمان أطعته، وإن عرفته من جهة العلم أجللته، وإن عرفته من جهة المعرفة أحببته، وإن عرفته من جهة اليقين آثرته. فعلامة الطاعة له اتباع أمره واجتناب نهيه، وعلامة إجلاله التوقف عند حدوده، وعلامة محبته المبادرة إلى مرضاته، وعلامة اليقين به المسارعة إلى لقائه.
من حق الله الذي خلق أن يُعرف ويُعبد، ومن حق الله الذي رزق أن يُذكر ويُشكر، ومن حق الله الذي يعلم السر وأخفى أن يُراقب ويُستحيا من مخالفته، ومن حق الله الذي يرث الأرض ومن عليها أن تستعد الخلائق للقائه. وكل تفريط في هذه الحقوق رذيلة كبرى، فمن عاش مقطوع الصلة بالله، فارغ القلب من شكره، خالي البال من مراقبته، عديم الاستعداد للقائه، فهو مهما ارتقى من نواحٍ أخرى حيوان غادر خبيث.
يا بني، إن الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون. فإن فتر سائقها ضلّت عن الطريق، وإن فتر قائدها حرنت. فإذا اجتمعا استقامت. وإن النفس إذا أطمعتها طمعت، وإذا فوضت إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت. واحذر نفسك واتهمها على دينك، وأنزلها منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بد له منها. وإن الحكيم يبذل نفسه في المكاره حتى تعترف بالحق، وإن الأحمق يحير نفسه في الأخلاق، فما أصاب منها أحب، وما كرهت منها كره.
ربما فُتح لك باب الطاعة وما فُتح لك باب القبول، وربما قُضي عليك الذنب فكان سبب الوصول. معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
قلب المؤمن عالم فسيح، يسع الأهل والأحباب والجيران والأصحاب، بل يسع هذا العالم الكبير بأسره. قلب المؤمن جنة مترامية الأطراف، نسيمها الإيمان وحصنها القرآن، وأزهارها الأحباب والخلان، وينابيعها الود والحب والإخلاص، شمسها الإخاء وسماؤها العطف والوفاء، ليلها أنغام الروح ونهارها أشواق الود والريحان. قلب المؤمن يحتضن الصغير والكبير، والبعيد قبل القريب والحبيب، الكل فيه سواء، والكل له غذاء، وغذاء عن غذاء يفوق من حيث الإفادة والصفاء. ولا مجال فيه للغيرة البلهاء، بل الكل ينعم بالأمن والرخاء.