جوهر المقولة
تُقدم هذه المقولة تسلسلاً معرفيًا عميقًا لعلاقة الإنسان بربه، مبينةً أن مستويات المعرفة المختلفة تؤدي إلى درجات متباينة من الاستجابة الروحية. فمعرفة الله من منظور الإيمان، الذي هو التصديق القلبي بوجوده ووحدانيته، تدفع العبد إلى الطاعة والانقياد لأوامره ونواهيه، وهي أولى درجات العبودية.
أما معرفته من جهة العلم، أي الإحاطة بصفاته وأسمائه وآياته الكونية والشرعية، فتورث في القلب إجلالاً وتعظيمًا يحدو بالمرء إلى التوقف عند حدوده، وعدم تجاوزها هيبةً وتوقيرًا. وإذا ارتقى الإنسان إلى معرفة الله من جهة المعرفة الحقيقية التي تتجاوز مجرد العلم النظري لتشمل الذوق الروحي والتجربة الباطنية، فإنه سيحبه حبًا صادقًا يدفعه إلى المبادرة لفعل ما يرضيه. وفي أعلى مراتب المعرفة، تأتي معرفة الله من جهة اليقين، وهي درجة الإحسان التي يرى فيها العبد ربه كأنه يراه، أو يعلم أنه يراه، وهذا اليقين المطلق يجعله يؤثر الله على كل شيء، ويسارع إلى لقائه بكل شوق ولهفة، مستعدًا للرحيل إليه في أي لحظة، لأنه يرى فيه غاية الوجود وسر السعادة الأبدية.