الناس كلهم موتى إلا من أحياه الله بالإيمان، وأهل الإيمان في غفلة إلا من أيقظه الله بالعلم، وأهل العلم في حجاب إلا من أوجد المعرفة، وأهل المعرفة في حيرة إلا من اهتدى إلى الحق بالعلم به على أصل إيمانه ومعرفته، فاستعمله بذلك وأفقره في ذلك. فهؤلاء هم الذين ورثوا من إيمانهم مزيدًا من الهداية، وورثوا من علمهم مزيد الخشية، وورثوا من معرفتهم وجود الحكمة. ومن سواهم موقوف على نيته، غير متحقق بإرادته.
استغث بالحق عز وجل، ارجع إليه بأقدام الندم والاعتذار، حتى يخلصك من أيدي أعدائك، وينجيك من لجة بحر هلاكك. تفكر في عاقبة ما أنت فيه، وقد سهل عليك تركه.
غريزة الأنانية أو حب الذات، غريزة عاتية جبارة، لا يكاد يخلو بشر من سلطانها عليه، وقوة دفعها له، وتوجيهها لسلوكه. وإنك لترى الناس تدفعهم الأنانية إلى التنافس على الدنيا ومتاعها، ويدفعهم التنافس إلى التنازع والاختصام.
الإيمان وحده هو أكبر علوم الحياة، يُبصرك إن عميت في الحادثة، ويهديك إن ضللت عن السكينة، ويجعلك صديق نفسك.
إن الإيمانَ إذا سكنَ القلبَ وملأَ الفؤادَ، وانطوتْ عليه الجوانحُ، دفعَ صاحبَه دفعًا إلى أن يبذلَ كلَّ ماله، وكلَّ دمه، وكلَّ نفسه في سبيلِ الله.
من أعجبِ الأشياءِ أن تعرفَه ثم لا تحبه، وأن تسمعَ داعيهِ ثم تتأخرَ عن الإجابةِ، وأن تعرفَ قدرَ الربحِ في معاملتهِ ثم تعاملَ غيرَه، وأن تعرفَ قدرَ غضبهِ ثم تتعرضَ له، وأن تذوقَ ألمَ الوحشةِ في معصيتهِ ثم لا تتطلبَ الأنسَ بطاعتهِ، وأن تذوقَ عَصْرَةَ القلبِ عند الخوضِ في غيرِ حديثه والحديثِ عنه ثم لا تشتاقَ إلى انشراحِ الصدرِ بذكرهِ ومناجاتهِ، وأن تذوقَ العذابَ عند تعلقِ القلبِ بغيرهِ ولا تهربَ منه إلى نعيمِ الإقبالِ عليه والإنابةِ. وأعجبُ من هذا كلِّه علمُك أنك لا بدَّ لك منه، وأنك أحوجُ شيءٍ إليه، وأنت عنه معرضٌ، وفيما يبعدُك عنه غارقٌ.
إن صلة المسلم بالناس ينبغي أن تتسم بالسماحة، ويظللها الحلم، ويحيط بها العفو والتجاوز، مع ضبط النفس. ذلك كله من علامات التقوى، وأمارات الإيمان الصادق، ودلائل قوة النفس وعظمتها، واعتدادها بإيمانها، وارتفاعها عن سوءات الحقد ومشاعر السوء.
أشد حزن المؤمن في الدنيا على ثلاث: يوم يذهب من عمره دون وعي أو فائدة، ويوم ينتظر فيه ورود الموت بلا عودة، ويوم يلقى فيه الحساب بلا معذرة أو حجة. ولذة نعيم العارف في الدنيا ثلاث: ازدياد علمه بربه في كل نفس، وخلوته بحبه، وأمله بربه في تحقيق مُنى نفسه.
إن المؤمن جديرٌ بأن يثق بنفسه ويحسن الظن بها، فهو مؤهلٌ للأعمال الجليلة التي ندبه الله إليها؛ من خلافة في الأرض، وإصلاح بين الناس، وتقويم لكل اعوجاج. وما الخوف إلا طبيعة رقابية تتولى الحفظ والتنقية من الشوائب، ذلك لأن المحيط مليء بالغبار الذي يثيره الشيطان، ولأن الطريق وعرٌ فيه عثاد، حيث يمد إبليس رجليه بين أرجل الساعين.