الناس كلهم موتى إلا من أحياه الله بالإيمان، وأهل الإيمان في غفلة إلا من أيقظه الله بالعلم، وأهل العلم في حجاب إلا من أوجد المعرفة، وأهل المعرفة في حيرة إلا من اهتدى إلى الحق بالعلم به على أصل إيمانه ومعرفته، فاستعمله بذلك وأفقره في ذلك. فهؤلاء هم الذين ورثوا من إيمانهم مزيدًا من الهداية، وورثوا من علمهم مزيد الخشية، وورثوا من معرفتهم وجود الحكمة. ومن سواهم موقوف على نيته، غير متحقق بإرادته.

من أعجبِ الأشياءِ أن تعرفَه ثم لا تحبه، وأن تسمعَ داعيهِ ثم تتأخرَ عن الإجابةِ، وأن تعرفَ قدرَ الربحِ في معاملتهِ ثم تعاملَ غيرَه، وأن تعرفَ قدرَ غضبهِ ثم تتعرضَ له، وأن تذوقَ ألمَ الوحشةِ في معصيتهِ ثم لا تتطلبَ الأنسَ بطاعتهِ، وأن تذوقَ عَصْرَةَ القلبِ عند الخوضِ في غيرِ حديثه والحديثِ عنه ثم لا تشتاقَ إلى انشراحِ الصدرِ بذكرهِ ومناجاتهِ، وأن تذوقَ العذابَ عند تعلقِ القلبِ بغيرهِ ولا تهربَ منه إلى نعيمِ الإقبالِ عليه والإنابةِ. وأعجبُ من هذا كلِّه علمُك أنك لا بدَّ لك منه، وأنك أحوجُ شيءٍ إليه، وأنت عنه معرضٌ، وفيما يبعدُك عنه غارقٌ.

إن المؤمن جديرٌ بأن يثق بنفسه ويحسن الظن بها، فهو مؤهلٌ للأعمال الجليلة التي ندبه الله إليها؛ من خلافة في الأرض، وإصلاح بين الناس، وتقويم لكل اعوجاج. وما الخوف إلا طبيعة رقابية تتولى الحفظ والتنقية من الشوائب، ذلك لأن المحيط مليء بالغبار الذي يثيره الشيطان، ولأن الطريق وعرٌ فيه عثاد، حيث يمد إبليس رجليه بين أرجل الساعين.