جوهر المقولة
هذه المقولة لابن القيم الجوزية هي تحليل نفسي وروحي عميق لحالة الغفلة والبعد عن الله، معبرًا عنها بسلسلة من التساؤلات الاستنكارية التي تبرز التناقضات في سلوك الإنسان. يصفها بأنها "من أعجب الأشياء"، لأنها تتنافى مع مقتضيات العقل والفطرة السليمة.
يبدأ بالاستغراب من معرفة الله ثم عدم محبته، وهو تناقض صارخ، فالمعرفة الحقيقية بصفات الكمال والجلال والجمال تستلزم المحبة. ثم يستغرب من سماع دعوة الله ثم التأخر عن الاستجابة، ومن معرفة عظيم الربح في طاعته ثم الانشغال بغيره. ويستمر في هذا النسق، مستغربًا من معرفة قدر غضب الله ثم التعرض له بالمعصية.
يتعمق ابن القيم في وصف الآثار النفسية والروحية للمعصية والطاعة: "أن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تتطلب الأنس بطاعته". فالمعصية تجلب وحشة في القلب، بينما الطاعة تجلب الأنس والراحة. وكذلك "عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه" مقابل "انشراح الصدر بذكره ومناجاته". هذه التعبيرات تصور الألم الروحي الذي يعانيه القلب البعيد عن الله، والراحة والسعادة التي يجدها القريب منه.
ويختم المقولة بأعجب هذه التناقضات: "علمك أنك لا بد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه غارق". هذا هو ذروة الاستغراب، فمعرفة الإنسان بحاجته المطلقة إلى الله، وأنه لا غنى له عنه، ومع ذلك يختار الإعراض والغرق في كل ما يبعده عن خالقه. هذه المقولة دعوة للتأمل في دوافع النفس البشرية وتناقضاتها، وحث على العودة إلى الفطرة السليمة والتوجه إلى الله بكلية القلب.