إن آلام الماضي تلقي بظلالها الثقيلة على الحاضر، فتزيده ثقلاً ووطأة، وتمتد لتلقي بذور القلق والخوف في تربة المستقبل.
هذه هي قاعدة الحياة: لا تعاملك الحياة بما تملك من الدنيا، بل بما تملك من نفسك. وبذلك تكون السعادة لا في أشياء حقيقية ممكنة موجودة فحسب، بل في كل ما أمكن وكل ما وجد. وإذا كان الرضا هو الاتفاق بين النفس وصاحبها، وكان اليقين هو الاتفاق بين النفس وخالقها، فقد أصبح قانون السعادة شيئًا ماديًا ومعنويًا ينبع من فضيلة النفس وإيمانها وعقلها، ومن الأسرار الكامنة فيها، لا شيئًا ماديًا مستمدًا من أعضائها ومتاعها ودنياها والأخيلة المتقلبة عليها.
ظهر لي القبر كأنه فم الأرض يخاطب الإنسان بحزم صارم، يخاطب الفقير والغني، والضعيف والقوي، والملوك والصعاليك: أن كل قوة تُنزع هنا.
من كانت قرة عينه في الصلاة، فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها، ويود لو قطع عمره بها غير منشغل بقربها. وإنما تُسلّي نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قريب، فهو دائمًا يئوب إليها ولا يقضي منها وطرًا. فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل الذي وزنه غير مائل.
ليس المقصود من القرآن مجرد التلاوة أو التماس البركة، وإن كان مباركًا حقًا، ولكن بركته الكبرى تكمن في تدبره وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء.
لذة العابدين في المناجاة، ولذة العلماء في التفكير، ولذة الأسخياء في الإحسان، ولذة المصلحين في الهداية، ولذة الأشقياء في المشاكسة، ولذة اللئام في الأذى، ولذة الضالين في الإغواء والإفساد.
إن مخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقلبه ولسانه. قال بعض السلف: الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده، وكلما تمرن على مخالفة هواه اكتسب قوة إلى قوته.
إذا راودت نفسك المعصية، فذكّرها بالله ورهبته، فإن لم ترتدع، فذكّرها بمروءة الرجال ومكارم الأخلاق، فإن لم تكفّ، فذكّرها بخزي الفضيحة بين الناس، فإن لم ترجع بعد كل ذلك، فاعلم حينها أنك قد انحدرت إلى مرتبة البهائم.
إن خلاص المرء ونجاته لا يتحققان إلا باكتمال نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وبإكمال غيره بالنصح والإرشاد؛ وبذلك يكون قد جمع بين حق الله وحق العباد. والتواصي بالصبر ضرورة ملحة، إذ إن الثبات على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل، من أشق ما يواجه الفرد. فلا بد من الصبر على مجاهدة النفس ومجاهدة الغير، والصبر على الأذى والمشقة.