إن المأساة التي نعيشها نحن المسلمين هي مأساة معرفية عميقة، وأزمة في المرجعية الفكرية، وصعوبة في تيسير المصادر والمراجع. وما لم نُحكم بناء أداتنا المعرفية، وما لم نُعِد صياغة تاريخنا من منظورنا الخاص، ونجعله ميسوراً سهلاً للرجوع إليه وتناوله، فلن نبرح هذا التيه الذي نحن فيه.

لقد كانت الثورة الإيرانية ثورةً شعبيةً عارمة، بل إن النساء كنّ صانعاتها أكثر من الرجال. كان هذا حدثاً فريداً يُشار إليه بالبنان في تاريخ المقاومة السلمية. فعندما فرض الشاه منع التجول، أصدر الإمام الخميني أمره قائلاً: “ينبغي عليكم، أيها النساء والرجال على حد سواء، التصدي لهذا القرار والنزول إلى الشوارع، وعلى النساء أن يقدمن الورود لجنود الشاه”. وهكذا، أُجبر الشاه على التنحي دون إطلاق رصاصة واحدة أو صاروخ.

فداك أبي وأمي يا سيدي يا رسول الله! لقد كنتَ أعظم من قرأ التاريخ واستخلص عبَره، حينما قررتَ خلاصة مسيرة البشرية كلها في كلمة واحدة جامعة: “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”. إنه صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إلى فوارق الأجناس أو الألوان، ولم يخشَ على مصير البشرية من صراعاتها العرقية، ولم يرَ التاريخ مظلماً قاحلاً، بل رآه مشرقاً مليئاً بالآمال. لقد أدرك أن جوهر مشكلة التاريخ يكمن في العدل، ولم يكن متشائماً قط، بل كان موقناً بأن العدل هو المنتصر الأبدي وأن الظلم مصيره إلى الزوال.

إن الفكرة التي تفقد سندها الاجتماعي تتعرض للزلزلة والاضطراب. والمسلم في الوضع الراهن يعاني من هذه المشكلة؛ فالمسلم في عمومه لا يعاني من أزمة في مبدئه الديني، وإنما يعاني من عجزه عن حل مشكلاته وفق السنن الاجتماعية. وهذا العجز ينعكس بدوره على مبدئه. ومعظم الذين يفقدون الإسلام، سواء كانوا من أهله أو من غير أهله، ينطلقون من هذه النظرة.

من المفارقات العجيبة أننا نتوق إلى تغيير واقعنا بشغف، غافلين عن حقيقة أن هذا التغيير لن يتأتى إلا إذا سبقته تحولات عميقة في ذواتنا. فبينما نطمئن إلى ما استقر في أنفسنا، نغفل أن الكثير مما يحويه باطننا هو الذي يمنح هذا الواقع الذي نضيق بوطأته حق البقاء والاستمرار، دون أن ندرك مدى مساهمة دواخلنا في ديمومته.