المؤمنون لا يهبطون من السماء، ولكنهم يُنبتون من الأرض. وهم ليسوا نبتًا بريًا يخرج بلا بذرة، وينمو بلا جهة، ويثمر بلا رعاية؛ بل هو نبتٌ يحتاج إلى زُرَّاع صادقين صابرين، يتعهَّدونه في مراحل نمائه بالسقي والتسميد ومقاومة الآفات، حتى يستوي على سوقِه، ويؤتي أُكُلَه بإذن ربه.
أحببني كما أنا.. بلا مساحيقَ ولا طلاء. أحببني بسيطةً عفويةً، كما تحبُّ الزهرَ في الحقول، والنجومَ في السماء. فالحبُّ ليس مسرحًا نعرضُ فيه آخرَ الأزياء وأغربَها، لكنه الشمسُ التي تضيءُ في أرواحنا، والنبلُ والرقيُّ والعطاءُ. أحببني بكلِّ ما لديَّ من صدقٍ ومن طفولة، وكلِّ ما أحملُ للإنسانِ من مشاعرَ نبيلة. أحببني غزالةً هاربةً من سلطةِ القبيلة. أحببني قصيدةً ما كُتبت، وجنةً على حدودِ الغيمِ مستحيلة. أحببني لذاتي، وليس للكحلِ الذي يمطرُ من العينين، وليسَ للوردِ الذي يلوِّنُ الخدين، وليسَ للشمعِ الذي يذوبُ من أصابعِ اليدين. أحببني تلميذةً تعلَّمتْ مبادئَ الحبِّ على يديك، وكم جميلٌ معكَ الحوارُ! أحببني إنسانةً من حقِّها أن تصنعَ القرارَ. أحببني من أجلِ فكري وحدَه، لا لِامتدادِ قامتي، أو لرنينِ ضحكتي، أو لشعري الطويلِ أو القصيرِ، أو جسدي المغزولِ من ضوءٍ ومن حريرٍ. أحببني شريكةً في الرأيِ والتفكيرِ. أحببني حضارةً وقيمةً وموقفًا، وامرأةً شجاعةً تحلمُ بالتغييرِ!
إنّ الإفراطَ في الحديثِ والإسهابَ في القولِ لا يُلاحظُ غالبًا إلا في طبائعِ النساء، أو في أحوالِ مَن يتسمُ بالضعفِ وقلةِ الحيلةِ.
إنّني أشهدُ في نفسي صراعًا وعراكًا وأرى ذاتي شيطانًا وأحيانًا مَلاكًا هل أنا شخصانِ يأبى هذا مع ذاكَ اشتراكًا أم تراني واهمًا فيما أراه؟ لستُ أدري! بينما قلبي يحكي في الضّحى إحدى الخمائلِ فيه أزهارٌ وأطيارٌ تغني وجداولُ أقبلَ العصرُ فأسى موحشًا كالقفرِ قاحلِ كيف صارَ القلبُ روضًا ثمّ قفرًا؟ لستُ أدري! أين ضحكي وبكائي وأنا طفلٌ صغيرُ أين جهلي ومراحي وأنا غضٌّ غريرُ أين أحلامي وكانت كيفما سرتُ تسيرُ كلّها ضاعتْ ولكن كيف ضاعتْ؟ لستُ أدري!
جئتُ لا أعلمُ من أينَ ولكني أتيتُ ولقد أبصرتُ قُدَّامي طريقًا فمشيتُ وسأبقى ماشيًا إن شئتَ هذا أم أبيتُ كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري! أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودِ هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودِ هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مُقادُ أتمنى أنني أدري ولكنْ… لستُ أدري! وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصيرٌ؟ هل أنا أصعدُ أم أهبطُ فيه وأغورُ؟ أأنا السائرُ في الدربِ أم الدربُ يسيرُ أم كلانا واقفٌ والدهرُ يجري؟ لستُ أدري! ليتَ شعري وأنا في عالم الغيبِ الأمينِ أتراني كنتُ أدري أنني فيه دفينٌ وبأني سوف أبدو وبأني سأكونُ أم تراني كنتُ لا أدركُ شيئًا؟ لستُ أدري! أتراني قبلما أصبحتُ إنسانًا سويًّا أتراني كنتُ محوًا أم تراني كنتُ شيئًا ألهذا اللغزِ حلٌّ أم سيبقى أبديًّا لستُ أدري… ولماذا لستُ أدري؟ لستُ أدري! قد سألتُ البحرَ يومًا هل أنا يا بحرُ منكَ؟ هل صحيحٌ ما رواه بعضهم عني وعنكَ؟ أم ترى ما زعموا زورًا وبهتانًا وإفكا؟ ضحكت أمواجُهُ مني وقالت: لستُ أدري! أيها البحرُ أتدري كم مضت ألفٌ عليكَ وهل الشاطئُ يدري أنه جاثٍ لديكَ وهل الأنهارُ تدري أنها منكَ إليكَ ما الذي الأمواجُ قالت حين ثارت؟ لستُ أدري! أنتَ يا بحرُ أسيرٌ آه ما أعظمَ أسركَ أنتَ مثلي أيها الجبارُ لا تملكُ أمركَ أشبهتَ حالكَ حالي وحكى عذري عذركَ فمتى أنجو من الأسرِ وتنجو؟… لستُ أدري! تُرسلُ السحبَ فتسقي أرضنا والشجرا قد أكلناكَ وقلنا قد أكلنا الثمرا وشربناكَ وقلنا قد شربنا المطرا أصوابٌ ما زعمنا أم ضلالٌ؟ لستُ أدري! قد سألتُ السحبَ في الآفاقِ هل تذكرُ رملك؟ وسألتُ الشجرَ المورقَ هل يعرفُ فضلك؟ وسألتُ الدرَّ في الأعناقِ هل تذكرُ أصلك؟ وكأني خلتها قالت جميعًا:… لستُ أدري! يرقصُ الموجُ وفي قاعكَ حربٌ لن تزولا تخلقُ الأسماكَ لكن تخلقُ الحوتَ الأكولا قد جمعتَ الموتَ في صدركَ والعيشَ الجميلا ليتَ شعري أنتَ مهدٌ أم ضريحٌ؟… لستُ أدري! كم فتاةٍ مثلِ ليلى وفتًى كابنِ الملوحِ أنفقا الساعاتِ في الشاطئِ، تشكو وهو يشرحُ كلما حدثَ أصغت وإذا قالت ترنَّحَ أحفيفُ الموجِ سرٌّ ضيَّعاهُ؟… لستُ أدري! كم ملوكٍ ضربوا حولكَ في الليلِ القبابا طلعَ الصبحُ ولكنْ لم نجدْ إلا الضبابا ألهم يا بحرُ رجعةٌ أم لا مآبا أم هم في الرملِ؟ قال الرملُ إني… لستُ أدري! فيكَ مثلي أيها الجبارُ أصدافٌ ورملُ إنما أنتَ بلا ظلٍّ ولي في الأرضِ ظلُّ إنما أنتَ بلا عقلٍ ولي يا بحرُ عقلُ فلماذا يا تُرى أمضي وتبقى؟… لستُ أدري! يا كتابَ الدهرِ قل لي أله قبلٌ وبعدُ أنا كالزورقِ فيه وهو بحرٌ لا يُحدُّ ليس لي قصدٌ فهل للدهرِ في سيري قصدُ حبذا العلمُ ولكنْ كيفَ أدري؟… لستُ أدري! إن في صدري يا بحرُ لأسرارًا عجابا نزلَ السترُ عليها وأنا كنتُ الحجابا ولذا أزدادُ بُعدًا كلما ازددتُ اقترابا وأراني كلما أوشكتُ أدري… لستُ أدري! إنني يا بحرُ، بحرٌ شاطئاهُ شاطئاكَ الغدُ المجهولُ والأمسُ اللذانِ اكتنفاكَ وكلانا قطرةٌ يا بحرُ في هذا وذاكَ لا تسلني ما غدٌ، ما أمسٌ… إني… لستُ أدري! إن يكُ الموتُ قصاصًا أيُّ ذنبٍ للطهارةِ وإذا كان ثوابًا، أيُّ فضلٍ للدعارةِ وإذا كان وما فيه جزاءٌ أو خسارةٌ فلمَ الأسماءُ إثمٌ وصلاحٌ لستُ أدري! أيها القبرُ تكلَّمْ وأخبريني يا رِمامُ هل طوى أحلامكَ الموتُ وهل ماتَ الغرامُ من هو المائتُ من عامٍ ومن مليونِ عامٍ أيصيرُ الوقتُ في الأرماسِ محوًا لستُ أدري! إن يكُ الموتُ رُقادًا بعدهُ صحوٌ جميلٌ فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميلُ ولماذا المرءُ لا يدري متى وقتُ الرحيلِ ومتى ينكشفُ السترُ فندري لستُ أدري! إن يكُ الموتُ هجوعًا يملأُ النفسَ سلامًا وانعتاقًا لا اعتقالًا وابتداءً لا ختامًا فلماذا أعشقُ النومَ ولا أهوى الحمامَ ولماذا تجزعُ الأرواحُ منهُ لستُ أدري! أوراءَ القبرِ بعدَ الموتِ بعثٌ ونشورُ فحياةٌ فخلودٌ أم فناءٌ فدثورُ أكلامُ الناسِ صدقٌ أم كلامُ الناسِ زورُ أصحيحٌ أن بعضَ الناسِ يدري لستُ أدري! إن أكنْ أُبعثُ بعدَ الموتِ جثمانًا وعقلًا أترى أُبعثُ بعضًا أم ترى أُبعثُ كلّا أترى أُبعثُ طفلًا أم ترى أُبعثُ كهلًا ثم هل أعرفُ بعدَ البعثِ ذاتي لستُ أدري! يا صديقي لا تعلّلني بتمزيقِ الستورِ بعدما أقضي فعقلي لا يُبالي بالقشورِ إن أكنْ في حالةِ الإدراكِ لا أدري مصيري كيفَ أدري بعدما أفقدُ رشدي لستُ أدري! إنني جئتُ وأمضي وأنا لا أعلمُ أنا لغزٌ، وذهابي كمجيئي طلسمُ والذي أوجدَ هذا اللغزَ لغزٌ مبهمُ لا تجادلْ… ذو الحِجى من قالَ إني لستُ أدري…
لا شيء أشهى ولا أسمى من أن تكوني بطلة ذاتك، تتغلبين على وهن روحك وعجزك الذي رسخوه فيكِ منذ نعومة أظفارك، وأن تملئي فراغك الذي غدا جزءًا من قناعاتٍ واهية، لتمضي في هذه الحياة امرأةً شجاعة، تدرك غايتها وتعرف تمامًا سبل تحقيقها. إن امرأةً كهذه يهابها ضعاف النفوس من الرجال، وتحسدها الفارغات من النساء.
إنك لا تدرك، حين تحبك امرأة، أنك في حضرة قبيلةٍ كاملةٍ من النساء؛ فهي الطفلةُ والمراهقةُ والسيدةُ، وقبل كل ذلك، هي لك أمٌّ تحنو وتقلق عليك كوليدها.