حكمة
نص موثق
«

إنّني أشهدُ في نفسي صراعًا وعراكًا
وأرى ذاتي شيطانًا وأحيانًا مَلاكًا
هل أنا شخصانِ يأبى هذا مع ذاكَ اشتراكًا
أم تراني واهمًا فيما أراه؟

لستُ أدري!

بينما قلبي يحكي في الضّحى إحدى الخمائلِ
فيه أزهارٌ وأطيارٌ تغني وجداولُ
أقبلَ العصرُ فأسى موحشًا كالقفرِ قاحلِ
كيف صارَ القلبُ روضًا ثمّ قفرًا؟

لستُ أدري!

أين ضحكي وبكائي وأنا طفلٌ صغيرُ
أين جهلي ومراحي وأنا غضٌّ غريرُ
أين أحلامي وكانت كيفما سرتُ تسيرُ
كلّها ضاعتْ ولكن كيف ضاعتْ؟

لستُ أدري!

»
إيليا أبو ماضي العصر الحديث (المهجر)

جوهر المقولة

تُعدُّ هذه القصيدةُ تأملًا فلسفيًا عميقًا في طبيعةِ الذاتِ البشريةِ، وتناقضاتِها، وغيابِ اليقينِ حولَ جوهرِ الوجودِ. يبدأُ الشاعرُ بوصفِ الصراعِ الداخليِّ بينَ الخيرِ والشرِّ، النورِ والظلامِ، مُتسائلًا عن وحدةِ الذاتِ أو انقسامِها، وهو تساؤلٌ وجوديٌّ جوهريٌّ حولَ الهويةِ الشخصيةِ وتعددِ جوانبِها.

ثم ينتقلُ إلى وصفِ تقلباتِ القلبِ والمشاعرِ، من حالةِ البهجةِ والجمالِ (الخمائلِ والأزهارِ) إلى حالةِ القفرِ والوحشةِ، مما يُبرزُ هشاشةَ الوجودِ الإنسانيِّ وسرعةَ تحولِ الأحوالِ النفسيةِ، مُعبرًا عن حيرتِه أمامَ هذا التغيرِ اللامفهومِ. وفي المقطعِ الأخيرِ، يتساءلُ الشاعرُ عن فقدانِ براءةِ الطفولةِ وأحلامِها، وعن كيفيةِ ضياعِ تلكَ المرحلةِ بكلِّ ما فيها من صفاءٍ وعفويةٍ. إنّ لازمةَ 'لستُ أدري!' تُكررُ لتُجسّدَ ذروةَ الحيرةِ الوجوديةِ، والعجزِ البشريِّ عن إدراكِ كنهِ الحياةِ، وسرِّ التغيرِ، ومآلِ الذاتِ، مما يجعلُ القصيدةَ صرخةً فلسفيةً في وجهِ الغموضِ الذي يكتنفُ الوجودَ الإنسانيَّ.