جئتُ لا أعلمُ من أينَ ولكني أتيتُ
»جوهر المقولة
تُعدّ هذه القصيدة الفلسفية العميقة لإيليا أبي ماضي رحلةً وجوديةً في أعماق النفس البشرية والكون، تتجلى فيها حيرة الإنسان الأزلية أمام الأسئلة الكبرى التي تتجاوز إدراكه. يبدأ الشاعر بتساؤلاتٍ عن مصدر وجوده ومسار حياته، مؤكدًا على جهله المطلق بأصل مجيئه ومصيره، وهو ما يُعبّر عنه باللازمة المتكررة "لستُ أدري".
تتوالى التساؤلات حول ماهية الوجود، هل هو حرٌّ أم مقيّد، قائدٌ أم مقاد، معاصرٌ أم قديم. ثم ينتقل إلى طبيعة الطريق الذي يسلكه، هل هو صاعدٌ أم هابط، وهل هو السائر أم أن الدرب هو الذي يسير، مُبرزًا بذلك تعقيد العلاقة بين الفرد والزمن والقدر.
يتوسّع نطاق حيرته ليشمل عالم الغيب، متسائلًا عن وعيه قبل الوجود وبعده، وعن سرّ هذا اللغز الأزلي الذي لا يجد له حلًا. ثم يُحاور البحر، رمزًا للعمق والغموض والاتساع، فيجد فيه انعكاسًا لحيرته وأسره، فكلاهما لا يملك أمره، وكلاهما يحمل في طياته المتناقضات: الحياة والموت، الجمال والقسوة.
تصل القصيدة ذروتها في التساؤل عن الموت وما بعده: هل هو نهايةٌ أم بداية، قصاصٌ أم ثواب، رقادٌ أم صحو؟ وهل هناك بعثٌ ونشور، وما هي هيئة هذا البعث؟ كل هذه الأسئلة تُختتم بذات اللازمة، مؤكدةً أن الإنسان، مهما بلغ من علمٍ وحكمة، يبقى عاجزًا عن فك طلاسم الوجود والمصير. إنها دعوةٌ للتواضع أمام عظمة الكون، وإقرارٌ بحدود المعرفة البشرية، وأن الحكمة الحقيقية قد تكمن في الإقرار بالجهل أمام المطلق.