حكمة
نص موثق
«

جئتُ لا أعلمُ من أينَ ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قُدَّامي طريقًا فمشيتُ
وسأبقى ماشيًا إن شئتَ هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟
لستُ أدري!

أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودِ
هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودِ
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مُقادُ
أتمنى أنني أدري ولكنْ…
لستُ أدري!

وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصيرٌ؟
هل أنا أصعدُ أم أهبطُ فيه وأغورُ؟
أأنا السائرُ في الدربِ أم الدربُ يسيرُ
أم كلانا واقفٌ والدهرُ يجري؟
لستُ أدري!

ليتَ شعري وأنا في عالم الغيبِ الأمينِ
أتراني كنتُ أدري أنني فيه دفينٌ
وبأني سوف أبدو وبأني سأكونُ
أم تراني كنتُ لا أدركُ شيئًا؟
لستُ أدري!

أتراني قبلما أصبحتُ إنسانًا سويًّا
أتراني كنتُ محوًا أم تراني كنتُ شيئًا
ألهذا اللغزِ حلٌّ أم سيبقى أبديًّا
لستُ أدري… ولماذا لستُ أدري؟
لستُ أدري!

قد سألتُ البحرَ يومًا هل أنا يا بحرُ منكَ؟
هل صحيحٌ ما رواه بعضهم عني وعنكَ؟
أم ترى ما زعموا زورًا وبهتانًا وإفكا؟
ضحكت أمواجُهُ مني وقالت:
لستُ أدري!

أيها البحرُ أتدري كم مضت ألفٌ عليكَ
وهل الشاطئُ يدري أنه جاثٍ لديكَ
وهل الأنهارُ تدري أنها منكَ إليكَ
ما الذي الأمواجُ قالت حين ثارت؟
لستُ أدري!

أنتَ يا بحرُ أسيرٌ آه ما أعظمَ أسركَ
أنتَ مثلي أيها الجبارُ لا تملكُ أمركَ
أشبهتَ حالكَ حالي وحكى عذري عذركَ
فمتى أنجو من الأسرِ وتنجو؟…
لستُ أدري!

تُرسلُ السحبَ فتسقي أرضنا والشجرا
قد أكلناكَ وقلنا قد أكلنا الثمرا
وشربناكَ وقلنا قد شربنا المطرا
أصوابٌ ما زعمنا أم ضلالٌ؟
لستُ أدري!

قد سألتُ السحبَ في الآفاقِ هل تذكرُ رملك؟
وسألتُ الشجرَ المورقَ هل يعرفُ فضلك؟
وسألتُ الدرَّ في الأعناقِ هل تذكرُ أصلك؟
وكأني خلتها قالت جميعًا:…
لستُ أدري!

يرقصُ الموجُ وفي قاعكَ حربٌ لن تزولا
تخلقُ الأسماكَ لكن تخلقُ الحوتَ الأكولا
قد جمعتَ الموتَ في صدركَ والعيشَ الجميلا
ليتَ شعري أنتَ مهدٌ أم ضريحٌ؟…
لستُ أدري!

كم فتاةٍ مثلِ ليلى وفتًى كابنِ الملوحِ
أنفقا الساعاتِ في الشاطئِ، تشكو وهو يشرحُ
كلما حدثَ أصغت وإذا قالت ترنَّحَ
أحفيفُ الموجِ سرٌّ ضيَّعاهُ؟…
لستُ أدري!

كم ملوكٍ ضربوا حولكَ في الليلِ القبابا
طلعَ الصبحُ ولكنْ لم نجدْ إلا الضبابا
ألهم يا بحرُ رجعةٌ أم لا مآبا
أم هم في الرملِ؟ قال الرملُ إني…
لستُ أدري!

فيكَ مثلي أيها الجبارُ أصدافٌ ورملُ
إنما أنتَ بلا ظلٍّ ولي في الأرضِ ظلُّ
إنما أنتَ بلا عقلٍ ولي يا بحرُ عقلُ
فلماذا يا تُرى أمضي وتبقى؟…
لستُ أدري!

يا كتابَ الدهرِ قل لي أله قبلٌ وبعدُ
أنا كالزورقِ فيه وهو بحرٌ لا يُحدُّ
ليس لي قصدٌ فهل للدهرِ في سيري قصدُ
حبذا العلمُ ولكنْ كيفَ أدري؟…
لستُ أدري!

إن في صدري يا بحرُ لأسرارًا عجابا
نزلَ السترُ عليها وأنا كنتُ الحجابا
ولذا أزدادُ بُعدًا كلما ازددتُ اقترابا
وأراني كلما أوشكتُ أدري…
لستُ أدري!

إنني يا بحرُ، بحرٌ شاطئاهُ شاطئاكَ
الغدُ المجهولُ والأمسُ اللذانِ اكتنفاكَ
وكلانا قطرةٌ يا بحرُ في هذا وذاكَ
لا تسلني ما غدٌ، ما أمسٌ… إني…
لستُ أدري!

إن يكُ الموتُ قصاصًا أيُّ ذنبٍ للطهارةِ
وإذا كان ثوابًا، أيُّ فضلٍ للدعارةِ
وإذا كان وما فيه جزاءٌ أو خسارةٌ
فلمَ الأسماءُ إثمٌ وصلاحٌ
لستُ أدري!

أيها القبرُ تكلَّمْ وأخبريني يا رِمامُ
هل طوى أحلامكَ الموتُ وهل ماتَ الغرامُ
من هو المائتُ من عامٍ ومن مليونِ عامٍ
أيصيرُ الوقتُ في الأرماسِ محوًا
لستُ أدري!

إن يكُ الموتُ رُقادًا بعدهُ صحوٌ جميلٌ
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميلُ
ولماذا المرءُ لا يدري متى وقتُ الرحيلِ
ومتى ينكشفُ السترُ فندري
لستُ أدري!

إن يكُ الموتُ هجوعًا يملأُ النفسَ سلامًا
وانعتاقًا لا اعتقالًا وابتداءً لا ختامًا
فلماذا أعشقُ النومَ ولا أهوى الحمامَ
ولماذا تجزعُ الأرواحُ منهُ
لستُ أدري!

أوراءَ القبرِ بعدَ الموتِ بعثٌ ونشورُ
فحياةٌ فخلودٌ أم فناءٌ فدثورُ
أكلامُ الناسِ صدقٌ أم كلامُ الناسِ زورُ
أصحيحٌ أن بعضَ الناسِ يدري
لستُ أدري!

إن أكنْ أُبعثُ بعدَ الموتِ جثمانًا وعقلًا
أترى أُبعثُ بعضًا أم ترى أُبعثُ كلّا
أترى أُبعثُ طفلًا أم ترى أُبعثُ كهلًا
ثم هل أعرفُ بعدَ البعثِ ذاتي
لستُ أدري!

يا صديقي لا تعلّلني بتمزيقِ الستورِ
بعدما أقضي فعقلي لا يُبالي بالقشورِ
إن أكنْ في حالةِ الإدراكِ لا أدري مصيري
كيفَ أدري بعدما أفقدُ رشدي
لستُ أدري!

إنني جئتُ وأمضي وأنا لا أعلمُ
أنا لغزٌ، وذهابي كمجيئي طلسمُ
والذي أوجدَ هذا اللغزَ لغزٌ مبهمُ
لا تجادلْ… ذو الحِجى من قالَ إني
لستُ أدري…

»

جوهر المقولة

تُعدّ هذه القصيدة الفلسفية العميقة لإيليا أبي ماضي رحلةً وجوديةً في أعماق النفس البشرية والكون، تتجلى فيها حيرة الإنسان الأزلية أمام الأسئلة الكبرى التي تتجاوز إدراكه. يبدأ الشاعر بتساؤلاتٍ عن مصدر وجوده ومسار حياته، مؤكدًا على جهله المطلق بأصل مجيئه ومصيره، وهو ما يُعبّر عنه باللازمة المتكررة "لستُ أدري".

تتوالى التساؤلات حول ماهية الوجود، هل هو حرٌّ أم مقيّد، قائدٌ أم مقاد، معاصرٌ أم قديم. ثم ينتقل إلى طبيعة الطريق الذي يسلكه، هل هو صاعدٌ أم هابط، وهل هو السائر أم أن الدرب هو الذي يسير، مُبرزًا بذلك تعقيد العلاقة بين الفرد والزمن والقدر.

يتوسّع نطاق حيرته ليشمل عالم الغيب، متسائلًا عن وعيه قبل الوجود وبعده، وعن سرّ هذا اللغز الأزلي الذي لا يجد له حلًا. ثم يُحاور البحر، رمزًا للعمق والغموض والاتساع، فيجد فيه انعكاسًا لحيرته وأسره، فكلاهما لا يملك أمره، وكلاهما يحمل في طياته المتناقضات: الحياة والموت، الجمال والقسوة.

تصل القصيدة ذروتها في التساؤل عن الموت وما بعده: هل هو نهايةٌ أم بداية، قصاصٌ أم ثواب، رقادٌ أم صحو؟ وهل هناك بعثٌ ونشور، وما هي هيئة هذا البعث؟ كل هذه الأسئلة تُختتم بذات اللازمة، مؤكدةً أن الإنسان، مهما بلغ من علمٍ وحكمة، يبقى عاجزًا عن فك طلاسم الوجود والمصير. إنها دعوةٌ للتواضع أمام عظمة الكون، وإقرارٌ بحدود المعرفة البشرية، وأن الحكمة الحقيقية قد تكمن في الإقرار بالجهل أمام المطلق.