حكمة
نص موثق
«

بكأسِ الشرابِ المرصَّعِ باللازوردِ انتظرها. على بركةِ الماءِ حولَ السماءِ وزهرِ الكولونيا انتظرها. بصبرِ الحصانِ المُعَدِّ لمنحدراتِ الجبالِ انتظرها. بسبعِ وسائدَ محشوةٍ بالسحابِ الخفيفِ انتظرها. بنارِ البخورِ النسائيِّ ملءَ المكانِ انتظرها. برائحةِ الصندلِ الذكريةِ حولَ ظهورِ الخيولِ انتظرها. ولا تتعجلْ، فإنْ أقبلتْ بعدَ موعدها فانتظرها، وإنْ أقبلتْ قبلَ موعدها فانتظرها. ولا تُجفلِ الطيرَ فوقَ جدائلها وانتظرها. لتجلسَ مرتاحةً كالحديقةِ في أوجِ زينتها وانتظرها. لكي تتنفسَ هذا الهواءَ الغريبَ على قلبها وانتظرها. لترفعَ عن ساقها ثوبها غيمةً غيمةً وانتظرها. وخذها إلى شرفةٍ لترى قمراً غارقاً في الحليبِ انتظرها. وقدمْ لها الماءَ، قبلَ النبيذِ، ولا تتطلعْ إلى توأمي حجلٍ نائمينِ على صدرها وانتظرها. ومسَّ على مهلٍ يدها عندما تضعُ الكأسَ فوقَ الرخامِ كأنكَ تحملُ عنها الندى وانتظرها. تحدثْ إليها كما يتحدثُ نايٌ إلى وترٍ خائفٍ في الكمانِ، كأنكما شاهدانِ على ما يعدُّ غدٌ لكما وانتظرها. ولمِّعْ لها ليلها خاتماً خاتماً، وانتظرها إلى أن يقولَ لكَ الليلُ: لم يبقَ غيرُكما في الوجودِ، فخذها برفقٍ إلى موتكَ المشتهى وانتظرها.

»
محمود درويش العصر الحديث

جوهر المقولة

هذه القصيدة النثرية لمحمود درويش هي ترنيمة فلسفية للصبر والانتظار المقدس للمحبوبة. إنها ليست مجرد دعوة للترقب، بل هي وصف دقيق لطقوس الانتظار التي تتحول إلى فعل وجودي عميق، حيث يمتزج الجمال الحسي بالروحانية. يصور درويش الانتظار كحالة من التأهب الشامل، تشمل تهيئة المكان والزمان والنفس، باستخدام صور شعرية غنية تعكس الترف والجمال والهدوء.

الصبر هنا ليس سلبياً، بل هو فعل إيجابي مليء بالترقب والتقدير لكل تفصيل، وهو تجسيد لأقصى درجات التفاني. يشير إلى أن المحبوبة هي محور الوجود، وأن قدومها يتجاوز حدود الزمن والمواعيد، وأن التعامل معها يجب أن يكون بمنتهى الرقة والاحترام، وكأنها كيان مقدس يجب أن تُعامل بمنتهى التبجيل والخشوع. كل تفصيل في الانتظار، من كأس الشراب إلى رائحة البخور، يشي بمدى عمق هذا الحب.

تتوج القصيدة بفكرة الاتحاد الأبدي، حيث يصبح الانتظار جسراً نحو ذوبان الوجودين في كيان واحد، حتى الموت يصبح "موتك المشتهى" عندما يكون برفقتها. إنها فلسفة للحب الذي يتجاوز المادي والزمني، ويصل إلى أبعاد روحية ووجودية عميقة، حيث يصبح الانتظار بحد ذاته فناً من فنون الحب والتفاني، وغاية في ذاته تتجاوز الوصول.