أدب دخلتُ إلى المكتبة واستنشقتُ عبير الكتب المتكون من السحر والأوراقِ، فاستغربتُ متعجبًا: كيف لم يخطر في بال أحد حتى الآن أن يعبئه في زجاجة عطر؟
حكمة أنيري مكانَ البدرِ إنْ أفَلَ البدرُ، وقومي مقامَ الشمسِ ما استأخرَ الفجرُ. ففيكِ من الشمسِ المنيرةِ ضوؤها، وليس لها منكِ التبسُّمُ والثغرُ. بلى لكِ نورُ الشمسِ والبدرُ كلُّه، ولم تحملْ عيناكَ شمسًا ولا بدرًا. لكِ الشَّرقةُ اللألاءُ والبدرُ طالعٌ، وليس لها منكِ الترائبُ والنحرُ.
حكمة عن رجل من بني عامر قال: لقيتُ المجنونَ عند قفوله من البيت الحرام، فقلت له: ويحك! استشعر الصبر، واستبقِ مودة الحبيب بكتمان الحب. واعلم أنك لا تصل إلى الحبيب إلا بالستر ونفيك الشنعة، فإن التهتك يقطع مواد الغبطة، وليس للمهتوك أُلفة، والمستور طويل مدة الغبطة. فكان من جواب المجنون أن قال: إن الغواني قتلت عشاقها، يا ليت من جهل الصبابة ذاقها. في صدغهن عقارب يلسعننا، ما من لسعن بواجدٍ ترياقها. إن الشقاء عناق كل خريدةٍ كالخيزرانةِ لا نملُّ عناقَها. بيضٌ تُشبَّهُ بالحِقاقِ ثُدِيُّها، من عاجٍ حَكَتْ ثديَها حِقاقُها. يُدمي الحريرُ جلودهن، وإنما يُكسَينَ من حللِ الحريرِ رقاقَها. زانت روادفها دقاقُ خصورها، إني أحبُّ من الخصورِ دقاقَها. إنَّ التي طرَقَ الرجالَ خيالُها، ما كنتُ زائرَها ولا طرّاقَها.
حكمة لن يكتمل جمال التدين – بوصفه حركة نفسية واجتماعية – إلا إذا تجمّل باطنه وظاهره على حد سواء، إذ لا انفصام ولا قطيعة في الإسلام بين الشكل والمضمون، بل هما يتكاملان معًا. إن الجمالية الدينية الحقيقية تكمن في الإيمان الذي يستقر نوره في القلب، ويغمره كما يغمر الماء العذب الكأس البلورية، حتى إذا بلغ درجة الامتلاء فاض على الجوارح بالنور، فتتجمّل الأفعال والتصرفات التي هي فعل الإسلام. ثم تترقى هذه الأفعال في مراتب التجمل، حتى إذا بلغت درجة من الحسن بحيث صار معها القلب شفافًا، يشاهد منازل الشوق والمحبة في سيره إلى الله، كان ذلك هو الإحسان. والإحسان هو عنوان الجمال في الدين، وهو الذي عرفه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.
حكمة القرآن كتاب الله المعجز، حقٌ كله، وفريدٌ في تجربته. وأنت تقرأ فيه، لا تجد حدوداً للجمال أو الاتساق أو السكون، حتى لتقف في منتصف الجملة خائفاً، إلى أن يستقر بك المعنى في آخرها، فإذا أنت في نور عميم. إن فيه سر اتصال الآيات وتلاحمها، وسحر الموسيقى، وقداسة المبنى، ونور الحرف المدغم والمنطوق، يقترب ويبتعد كأنه وجه الحبيب. كلماته عندي مردة وملائكة وشياطين، وصوره أساطير وآلهة، ودنيا تموج بالخير والشر. وما أعذب العناء في تتبعها! فلغته تبعث في الروح الفخار، وتُسكِّن الجراح، وتُقوِّم تعاريج الوجود.
حكمة تبدو قطرةُ الماءِ نقيةً شفافةً كبلّورةٍ، فإذا ما كبَّرتْها العدساتُ ظهرتْ فيها آلافُ الشوائبِ. ويظلُّ القمرُ جميلًا صافيًا ما دامَ بعيدًا، فإذا ما اقتربتَ بدا لكَ كشاطئٍ قذرٍ مهجورٍ. حتى وجهُ التي تحبُّ، بشرتُها الغضَّةُ الورديةُ التي تأسرُ قلبكَ، ما إنْ تضاعفْ قدرتَكَ على رؤيتِها حتى تبدو لكَ كنسيجٍ قبيحٍ مجعَّدٍ. في كلِّ مرةٍ تتأكدُ الحقيقةُ: ليسَ إعجابُنا بالجمالِ إلا خداعًا للنظرِ، وكلما اتسعتِ الرؤيةُ بانتِ التجاعيدُ.