عن رجل من بني عامر قال: لقيتُ المجنونَ عند قفوله من البيت الحرام، فقلت له: ويحك! استشعر الصبر، واستبقِ مودة الحبيب بكتمان الحب. واعلم أنك لا تصل إلى الحبيب إلا بالستر ونفيك الشنعة، فإن التهتك يقطع مواد الغبطة، وليس للمهتوك أُلفة، والمستور طويل مدة الغبطة. فكان من جواب المجنون أن قال:
»جوهر المقولة
تُستهل المقولة بنصيحة حكيمة تُسدى للمجنون، مفادها أن الصبر وكتمان الحب هما سبيلٌ لاستبقاء مودة المحبوب، وأن الستر ونبذ الشنعة هما مفتاح الوصول إليه. فالفضيحة والتهتك يقطعان أسباب الغبطة والألفة، بينما يطيل الستر أمد السعادة والقبول الاجتماعي.
غير أن رد المجنون يأتي كصدىً لعمق تجربته العشقية، متجاوزًا حدود النصيحة العقلانية. فهو يصف الغواني (النساء الجميلات) بأنهن قاتلات عشاقهن، متمنيًا لو أن من لم يذق مرارة العشق قد جربها. ويصور جمالهن الفاتن كعقارب تلسع في صدورهن، لسعة لا يجد لها العشاق ترياقًا، في إشارة إلى الألم اللذيذ الذي يسببه الحب.
ثم يمضي في وصفهن الجمالي، مشبهًا عناقهن بالخيزرانة التي لا يُملّ منها، ومثنيًا على أجسادهن الفاتنة التي تُدمي الحرير من رقتها. ويختتم بوصف محبوبته التي يطرق خيالها الرجال، مؤكدًا أنه لم يكن زائرًا لها ولا طرّاقًا، ربما في إشارة إلى عفته أو استحالة الوصال الحقيقي، أو ربما تعبيرًا عن أن حبها قد تجاوز حدود الزيارة المادية ليصبح حضورًا روحيًا دائمًا.