الواجبُ على العاقلِ أن يُعِدَّ عُدَّةَ رحيلهِ، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمرُ ربِّه، ولا يدري متى يُستدعى. وقد رأيتُ خلقًا كثيرًا غرَّهم الشبابُ، وأنسَاهُم فقدُ الأقرانِ، وألهَاهم طولُ الأملِ. وربما قال العالمُ المحضُ لنفسه: أشتغلُ بالعلمِ اليومَ ثم أعملُ به غدًا، فيتساهلُ في الزللِ بحجةِ الراحةِ، ويؤخرُ الأهبةَ لتحقيقِ التوبةِ، ولا يتحاشى من غيبةٍ أو سماعِها، ومن كسبِ شبهةٍ يأملُ أن يمحوها بالورعِ. وينسى أن الموتَ قد يبغتُ. فالعاقلُ من أعطى كلَّ لحظةٍ حقَّها من الواجبِ عليه، فإن باغته الموتُ رُئِيَ مستعدًا، وإن نالَ الأملَ ازدادَ خيرًا.

وتقولُ قاعدةٌ أخرى: لا يعني الصبرُ أن تتحملَ المصاعبَ سلبًا، بل يعني أن تكونَ بعيدَ النظرِ بحيثُ تثقُ بالنتيجةِ النهائيةِ التي ستتمخضُ عن أيِّ عمليةٍ. ماذا يعني الصبرُ؟ أن تنظرَ إلى الشوكةِ فترى الوردةَ، أن تنظرَ إلى الليلِ فترى الفجرَ. أما نفادُ الصبرِ فيعني أن تكونَ قصيرَ النظرِ ولا تتمكنَ من رؤيةِ النتيجةِ. إنَّ عشاقَ اللهِ لا ينفدُ صبرُهم مطلقًا، لأنهم يعرفون أنه لكي يصبحَ الهلالُ بدرًا، فهو يحتاجُ إلى وقتٍ.