لقد أحببتك فأفرطت في حبي، والآن أدرك أنه ما كان عليّ أن أبقى، وأن ابتعادي صامتًا أصون به كرامتي أنا، وأخفف به وطأة جراحك أنت. ولكنني سأرحل ولن أعود بعد ذلك قط، إننا نفترق إلى الأبد. لقد سئمت من أن أكون شاهدًا على تمزقاتك النفسية. أحسب أنني لا أحسن التعبير الآن عما يعتلج في قلبي ويدور في خلدي. لقد أطلت الحديث، فوداعًا! وليس من حقك أن تؤاخذيني أو تحقدي عليّ، لأن العقاب الذي أتكبده أنا أقسى كثيرًا من العقاب الذي تنالينه أنتِ. يكفيني عقابًا أنني لن أراكِ بعد اليوم أبدًا. وداعًا! لا تمدي إليّ يدك، لقد آلمتني إيلامًا فيه من الوعي والعمد ما يجعلني لا أستطيع أن أغفر لكِ في هذه اللحظة. سوف أغفر لكِ في المستقبل، أما الآن فلا داعي للمصافحة.

لقد تشكلت أنماط العلاقات الاجتماعية على نحوٍ أضحى فيه بمقدور الأفراد ألا يطالبوا أنفسهم بشيء، وأن يشعروا بأنهم معفون من كل واجب أخلاقي، وأن الواجب والمهمة يقعان على عاتق الآخرين فحسب. وبات بوسعهم دعوة الآخرين إلى التواضع والتضحية بالنفس، وقبول أداء دورهم في بناء المستقبل، في حين أنهم هم أنفسهم لا يشاركون في هذه العملية ولا يتحملون أي مسؤولية شخصية تجاه ما يجري في العالم.

إلى المستقبل أو الماضي، إلى ذلك الزمان الذي يتحرر فيه الفكر وينطلق، حيث يتفرد الأشخاص بذواتهم ولا يعيش أحد منهم في عزلة عن الآخر، وحيث تبقى الحقيقة راسخة لا يستطيع أحد أن يمحو ما يبدعه الآخرون. وإليكم تحياتي من هذا العصر الذي يتشابه فيه الناس ويتناسخون، فلا يكاد يختلف أحدهم عن الآخر، من عصر العزلة والتفكير المزدوج.