إن من القضايا ما لا تُحلّ بضجيج الصحف وصيحاتها، بل تُحلّ بالعدل الذي لا يتزعزع، وتُحكَم بالقانون الذي لا يُحابي، وتُوجَّه بالضمائر الحية التي لا تنام.
الفاتحة هي ذاتها في كل ركعة، بيد أنها تفتح عليك في كل تلاوة جديدة آفاقًا من المعرفة، وتذيقك مواجيد من المحبة تفوق ما فتحت عليك وأذاقتك في الركعة السابقة. أما السور والآيات فعجائبها لا تنقضي، وكنوزها أبدًا لا تنتهي، فالكؤوس تتنوع، والأذواق تتجدد. وما زلت في موكب العابدين ترقى وترقى حتى تبلغ مقام التشهد.
كان فتح الله كولن يقول للناس عن فيلم يجسد الصحابة وأمهات المؤمنين: ‘إن الأشياء إنما يُمثّل لها بمثيلها، فكيف لشخص لا يحترم الدين أن يجسد صحابيًا جليلًا؟ وكيف يمكن لممثلة ساقطة، لا دين لها ولا خُلق، أن تمثل شخصية عائشة التي هي أم المؤمنين؟’
ويحك! هذه أشياؤك التي تعبدها تلاحقك كل مساء، فتتحطم فوق رأسك، ثم تبيت ليلتك تئن تحت ركامها. وتستيقظ صباح كل يوم لتدور كالآلة في دوامة رتيبة، ترشقك مسامير ذلك الضجيج نفسه، وتخنقك رائحة تلك الملفات نفسها، وتلهب وجهك لفحات الحرائق ذاتها. وتطول آمالك وتتسع أطماعك، وتمتد عيناك إلى مختلف الأشكال والألوان، ولا تخرج عن نطاق أشياك التي لا تعدو أن تكون في نهاية المطاف مجرد حفنة من تراب.
أن تكون طالب نور في زمن الظلمات يعني أنك انخرطت في جندية الروح، وأنك قد وهبت قلبك لمشكاة الفقراء يتخذونه مصباحًا تشتعل فتيلته من شريان دمك. ومن يرى، فربما تحمل فوق رأسك خبزًا تأكل الطير منه، وتُذكي الشمس مواجيدك الحرى، فتمسيَ قمرًا يرحل نحو أعالي الأفلاك.
ليس لك الساعةَ إلا أن تفرَّ من أشياءك وأغلالك، لتنظرَ لنفسك من مرآة هادئة لا انفطار فيها ولا اعوجاج. فهذا الأذان الصادح في الأفق الجميل مغردًا: الله أكبر… الله أكبر، يدعوك لتتطلع ببصرك إلى السماء، وتنصت إلى الكلمات التي تتشكل ومضات مشرقة تلخص قصة الكون المثير كلها في لحظات.