إن العلم الحقيقي بالربوبية، المبني على التدبر والتفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما، لَيُفضي بإذن الله إلى توحيد الألوهية. فمن أدرك حقيقة الربوبية وشاهدها ببصيرة قلبه، لا يسعه إلا أن يكون من الموحدين لله في ألوهيته.
الخلوة فكرٌ، والجلوة ذكرٌ، وبينهما تنتصب معارج الأرواح. ولا وصول إلى مدارجها إلا بالضرب في الأرض حتى مجمع البحرين. وللطريق عقبات ووهادٌ، فللجبال تعبٌ، وللصحراء لهبٌ. والسائر بينهما يتعالى ويتدلى بين خفاء وجلاء. ومن ظن أن بلوغ ماء مدين يكون بغير سفر، فهو واهم. فاحمل مزودك على عصاك يا قلبي وارحل، فعلى شاطئ الجوار الآمن توجد منازل المحبين.
عندما عثر الفتى على رسائل النور، أدرك أنه المخاطب بها على وجه الخصوص، وعلم أن عليه أن ينجز الخطوة الثانية، وأن يرعى بذورها حتى تُؤتي ثمارها. وأدرك أن هذه الفلاحة لا ترتوي إلا بدموع العاشقين. ولذلك لم يفتأ يبكي حتى انتفخت مقلتاه، فكانت الحقول تخضر لنشيجه، وكانت الثمار تزدهي لشهيقه، وكانت الرياح تهب الهوينى خاشعة عند مَسْجِدِه، فلا تؤذي من غرسه الكريم شجراً ولا ثمراً.
فكل من أبصر عظمة الخالق في عظمة المخلوق، واتخذ آثار الصنعة مسلكاً يسير به إلى معرفة الله، فهو متدبرٌ متفكرٌ.
ذلك هو القرآن، الوحي! إنه حجر كريم، بل نجم عظيم هوى على الأرض! ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه، وكابده بروحه، تخلقاً وتحققاً، حتى يرتفع شعاعه عالياً عالياً في السماء، دالاً على مصدره وأصله، هناك بموقعه الأعلى في مقام اللوح المحفوظ، ومشيراً من علٍ ببرقه العظيم إلى باب الخروج. فهنيئاً لمن تمسك بحبله، واتصل قلبه بتياره، وتزود من رقراق أسراره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره.
آهٍ منكِ يا نفس! أي حقٍّ عليكِ لله! وأي تبعة! وها أنتِ شاردةٌ في متاهات اللهو، تبنين قصور الوهم في دار الخراب.
لقد سحقتني آلام أمتي البائسة.. فقد أحرق العدو كل حقولها! وإنما أنا الآن أحرث وأزرع من جديد. ذلك هو واجب الوقت يا ولدي فتعلم..! قلت: زدني. قال: والحقول التي لا تُروى بالدموع لا تُثمر سنابلُها أبداً..!
بنيتي! أنتِ حمامة، لكِ جناحان هما: صلاتكِ وحجابكِ! فطيري في فضاء الروح! غادري نتونة الصلصال المسنون! وانشلي ريشكِ من عفن المستنقعات الآسنة! طيري إلى أعلى.. ثم أعلى ثم أعلى! في فضاءات التعرف إلى جمال الله، والاغتراف من نوره الطاهر الصافي؛ عساكِ تفرحين به ويفرح بكِ!
فيكون قول المؤمن: ‘لا إله إلا الله’ تعبيراً عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى؛ أي: لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عمارة قلبه إلا قصد الله…