لقد كان القدرُ لطيفًا بي؛ فلم أكن مجنونًا ولا أعمى، غير أني ما زلت أصبو إلى رؤية الرغيف بسعرٍ أدنى، وحياة البشر بقيمةٍ أسمى.
منذ ولادتي، وأنا أتعلم السباحة في الماء الصافي النقي العذب، المليء بفقاعات الصابون، ولا أنكر أنني أجدت التعلم. مرت الأيام، ولم أجرب سوى ذاك النوع من السباحة؛ لربما استطاعت فطرتي أن تنتصر على جميع المكتسبات، ولربما كانت هي الأقوى والأجدر في أن تحتل مساحة واسعة من شخصيتي. وذات يوم، رأيت من يسبحون في الوحل، يُغرقون أنفسهم متعمدين في الأتربة والآثام، وفي أدمغة الشياطين، ويُخرجون رؤوسهم من القاع وقد اعتلتها الأوساخ من كل جانب، تغلغلت في قشرتها واصلة إلى جماجمهم، ومنها إلى الأعمق فالأعمق. أذكر حينها أني شعرت بغرابة الأمر، وأكملت طريقي وأنا أتمتم في نفسي: “لا شأن لي بهم”. وذات صدفة، أوقعني القدر ضحية اتصال مباشر مع أحد هؤلاء الناس، وفجأة وبدون سابق إنذار، بدأ يرشقني بتلك الأوساخ التي تغمره. بالتأكيد لم أعلن استسلامي له، وبدأت أرشقه بما يغمرني، وكانت النتيجة أني قد خرجت من هذه الحرب متسخًا بعدما كنت نظيفًا، فيما بقي هو على حاله. ومنذ ذلك الحين، وأنا أحتفظ بجزء من تلك الأوساخ في نفسي، لم أستطع أن أفرط بها أبدًا، وأعتقد أنها ستكون ذخيرتي الوحيدة والكافية في مواجهاتي المستقبلية.
كأنك في خصامٍ أزليٍّ مع الحب؛ فإما أن تلقى من يودُّك ولا تكن له المودة، أو أنك تهوى من لا يبادلك الهوى. وإن شاء القدر فالتقيت بمن يحبك وتحبه، أبت الحياة أن تجمعكما على وئامٍ.
فستنجلي، بل لا أقول لعلها، ويحلها من يملك عقدها. إن الأمور إذا التوت وتعقدت، نزل القضاء من الكريم فحلّها.
إذا ما تسخطنا وتبرمنا وسببنا الدهر ولعنا القدر كلما أصابنا مكروه، فنحن في ذلك أشبه بالطفل يسوقه أبوه إلى مشرط الجراح ليستأصل منه سرطانًا قبل أن يستشري، فلا يرى الطفل في هذا العمل إلا جانب العدوان والمجزرة الدموية التي تُجهز لها السكاكين والمشارط، ولا يرى النفع الباطن في هذا الضرر الظاهر.
لا يمكن للمرء أن يرتكب خطأً جسيمًا في الحياة أعظم من عزوفه عن العمل، وذلك لأنه لم يضف شيئًا جديدًا إلى حياته أو حياة غيره.