هذا يقول إنه يؤمن بالحرية: إنه يكذب، إنه يهيئ لك زنزانة. وذاك يقول إنه يؤمن بالشعب: إنه يكذب، راجع حساباته في المصرف بعد مدة. انظر إلى البيت الذي ابتناه في هذه الأثناء، إلى قناني العطر التي تراكمت على منضدة زوجته أو خليلته. وكلما انقلبت الأحوال، ظهرت فئة جديدة من الكذابين. والصادق واحد في الألف، ضائع، مُستسخَف، ساذج، حائر بائر، لا يفهم لماذا لا يتقدم في الحياة. أمواج الكاذبين تتدافع حوله، وهو لا يدري، وأحيانًا لا يصدق، ولا يعرف ماذا يصدق. أخيرًا يغلق أذنيه عن الضجيج، يسد فمه، ويتمنى لو يغمض عينيه، لولا أنه ما زال، لسذاجته، يريد أن يرى بهما، لا بأذنيه، وليكن ما يكون.

الغربة ذاتها هي غربة عن مكان، عن جذور، وهذا هو جوهر الأمر. الأرض. الأرض هي كل شيء. نعود إليها محملين باكتشافاتنا. وما دمنا معلقين من أهدابنا بالسحب الراكضة، فإننا في فردوس المجانين هذا. نهرب، نهرب باستمرار. وعلينا الآن أن نعود إلى الأرض، حتى لو اضطررنا فيما بعد إلى انطلاق جديد. يجب أن تكون لنا تحت أقدامنا أرض صلبة، نحبها ونخاصمها، ونهجرها لشدة ما نحبها ونخاصمها، فنعود إليها.