إن الأفكار المهيمنة تحول دون إدراك الحقائق الصائبة، مهما بلغت تلك الحقائق من وضوح وجلاء. وعلى المستضعفين في الأرض أن يدركوا الآن، وأنا على يقين من أن المستكبرين لا يستعبدون العالم بقوتهم، وأن قوتهم لا تساوي شيئًا. إنهم أشبه بسحرة فرعون، يرهبون الناس ويوهمونهم بأن هذه القوى قادرة على فعل شيء، بينما هي في حقيقتها لا تساوي شيئًا. ونحن المستضعفين في الأرض، لسنا بحاجة إلى أية قوة، مهما عظمت أو صغرت، كي نتحرر، بل حاجتنا تكمن في شيء واحد: أن نتمكن من كلمة واحدة، أن نقول “لا” ولا ننفذ أمرهم. هذه الكلمة وحدها لا غيرها. وهذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لقريش: “كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم.”

إن الغيورين يبكون على الإسلام الذي أخذ أهله ينحسرون عنه، حالهم في ذلك حال المحب الجاهل الذي يبكي على المريض الذي اشتدت عليه وطأة المرض، بينما كان نفعه لهذا المريض أجدى لو سعى ليعلم طريقة علاج المرض. ذلك أن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواءً، وما يقال في مجال أمراض الجسم يقال كذلك في مرض النفس ومرض المجتمع.

طالما ظن الناس أن الباطل يجب قتله، فتوجهوا إلى الإعداد لقتله، بدلًا من أن يتوجهوا إلى توضيح الحق وإظهاره وترك الباطل لحاله، لأنه عندئذٍ سيموت موتًا طبيعيًا. ولكن محاولة الناس قتل الباطل قبل إظهار الحق بوضوح تجعلهم يمدون في حياة الباطل ويمنحونه حقًا في البقاء، بل ويظهر الباطل كأنه مظلوم ومعتدى عليه، وله حق الدفاع عن النفس، بل ويمكن أن يظهر بمظهر الشهيد. وبالمقابل، يخسر الحق بريقه ويظهر بمظهر المعتدي والظالم. بينما اهتمام الحق فقط، والتزامه بالبيان وعدم لجوئه إلى الاعتداء لقتل الباطل، يجعله في مكان السلطان المتألق، الذي مجيئه وحده يكفي لزوال الظلام دون إعلان حرب.

مع كامل احترامي، إن مستقبل العالم ليقلقني قلقًا عظيمًا، أشد مما يقلقني مستقبل حقل الدواجن. فحقل الدواجن يحظى باهتمام بالغ من رب العمل وزوجته وشركائه، والربح فيه مضمون لهم جميعًا. أما العالم، فإذا لم نقلق نحن عليه، وإذا لم أقلق أنا عليه، فمن ذا الذي سيقلق؟ أما الربح فليس مضمونًا لأحد فيه؛ فلا بأس، لكم أنتم حقلكم وأرباحه، ولي أنا العالم بمستقبله وخسائره!

لماذا يسخط المجتمع على فكرة الحب؟ لأن الحب يحفز في المحبين كل الدوافع التي يخشاها المجتمع، ولا يبقى لوازع قيمة. فالوازع، بالنسبة إلى المجتمع، مهم للحفاظ على هيكل العلاقات السليمة بين الناس. لكن الحب يتجاهلها كلها، وكأن المحبين في مجابهة مستمرة لإمكانية القتل أو الموت. وهذه المجابهة بالطبع تزيد من اللوعة والمعاناة، فيزداد التصميم عليها، وهكذا يدور المحبون في حلقة مفرغة لا تنتهي.

في الحياة غصّات كثيرة: فيها الموت والمرض، فيها خيبة الأبناء وخيبة الآباء، فيها الشمس التي تحرق القفا، والبرد الذي يشل الأصابع، فيها الموت والقتل وخيانة الصديق. ولكننا نتحملها، خيرها وشرها نتحملها، وما دمنا نستطيع الانتحار، فلا بد من تحملها، ولا بد من الادعاء بالجلد والبطولة في تحملها.

لكن إنسانيتي كانت دائمًا رافضة، لأنها مبتورة، مشوهة، مطحونة، من الداخل ومن الخارج. أرفض زمن القتل. أرفض زمن الخيبة. أرفض اليأس. وها أنا أخيرًا أرفض الأمل. تمنيت لو أستعلي على البشر، على همومهم، حقارتهم، قساوتهم، ولكنني أخفقت. شيء ما يستطرد بي إلى ما أعجز عن إدراك كنهه. شيء شارد، تحس به الحواس كلها، ولكنه يراوغها جميعًا. كالزمن، تشعر به ولكنك لا تستطيع الإمساك به أو حفظه. وهو مع ذلك يلتف حولك، ويلازمك، ويداعبك، ويقهرك، إلى أن تبلغ آخر مداك: التراب. كل ما عدا التراب أكذوبة وراء أكذوبة. أحاول تعيين ذلك في كلمات مدونة، ولكن حالما تحيط به قضبان الكلمات، يتضاعف الغمام فيه، وما كان دفقًا من الدم يصبح نفثات سوداء تقول لي في النهاية: أنت واهم.

صعب جدًا ألا تقبل بأن تُخدع بشيء. تراهم كلهم يقفون وقفات الممثلين، يُبشرون ويُفترون، ضحكاتهم ترن، وعياطهم يشق الآذان، وتنخرط معهم كأنك واحد منهم؛ ولكنك تعلم أن وراء ذلك كله أنفسًا بحجم كف اليد، أو أصغر. حتى المحزونون منهم يعجزون عن إقناعك. المحزونون هم الأمهات الثكالى فقط، والذين عرفوا التمزق في الجذور. أما الآخرون فيسبحون على الأغلب في مياههم الضحلة، مستسلمين للموج الذي يتخيلونه – ولو كان موجًا حقيقيًا لما اقتربوا منه بأكثر من ميلين اثنين. ولِمَ الاقتراب من الأذى؟ ابعد عن الشر وغنِّ له. ابعد عن الحياة وغنِّ لها. الهريبة ثلثا المراجل. إذن فالتفاهم غير مهم، لأن التبادل يجري بين كميات مبهمة، مهملة، لا تفيد ولا تضر.