تأمل الآن في عظيم الفزع الذي يستولي على فؤادك حين ترى الصراط ودقته المتناهية، وحين يقع بصرك على سواد جهنم العميق من تحته، وحين يقرع سمعك شهيق النار وتغيظها الرهيب. وقد كُلِّفتَ أن تمشي على هذا الصراط، مع ما يعتريك من ضعف الحال، واضطراب القلب، وتزلزل القدم، وثقل الظهر بالأوزار التي كانت تمنعك من المشي بيسر على بساط الأرض المستوية، فضلًا عن حدة الصراط وروعته. فكيف سيكون حالك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته البالغة، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الأخرى؟ والخلائق من حولك يزلون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تشهد كيف تنكس رؤوسهم إلى جهة النار وتعلو أرجلهم. فيا له من منظر ما أفظعه، ويا له من مرتقى ما أصعبه، ويا له من مجال ما أضيقه! فاللهم سلم سلم.

وأما الدنيا، فأمرُها حقيرٌ، وكبيرُها صغيرٌ. وغايةُ أمرِها تعودُ إلى الرياسةِ والمالِ. وغايةُ هذه الرياسةِ أن يكونَ المرءُ كفرعونَ الذي أغرقَهُ اللهُ في اليمِّ انتقامًا منه. وغايةُ ذي المالِ أن يكونَ كقارونَ الذي خسفَ اللهُ بهِ الأرضَ، فهو يتجلجلُ فيها إلى يومِ القيامةِ لما آذى نبيَّ اللهِ موسى عليهِ السلامُ.

جاء في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقة. فلما قَدِمَ، قال: هذا لكم، وهذا أُهديَ إليّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالُ الرجلِ نستعملُه على العملِ مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم، وهذا أُهديَ إليّ؟ فهلاَّ جلسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمهِ فينظرُ أَيُهدى إليهِ أم لا؟ والذي نفسي بيدهِ، لا يأخذُ أحدٌ منه شيئًا إلا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملُه على رقبتِه، إن كانَ بعيرًا له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ. ثم رفعَ يديهِ حتى رأينا عُفْرَتَي إبطيهِ، وقال: اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ هل بلغتُ؟ (ثلاثًا).

دخل حكيمٌ على آخر في منزله، وهو في عزلته، فقال له: أيها الحكيم، إنك لصبورٌ على الوحدة! فأجاب: ما أنا بوحدي، فمعي جماعةٌ من الحكماء والأدباء يُخاطبونني وأُخاطبهم. وضرب بيده على رصّةِ كتبٍ بجانبه، وقال: هذا جالينوس حاضرٌ، وهذا بقراط يُناظر، وسقراط واعظٌ، وأفلاطون لافِظٌ، وهذا داوود المعلّم.