حديث نبوي
نص موثق
«

جاء في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقة. فلما قَدِمَ، قال: هذا لكم، وهذا أُهديَ إليّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالُ الرجلِ نستعملُه على العملِ مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم، وهذا أُهديَ إليّ؟ فهلاَّ جلسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمهِ فينظرُ أَيُهدى إليهِ أم لا؟ والذي نفسي بيدهِ، لا يأخذُ أحدٌ منه شيئًا إلا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملُه على رقبتِه، إن كانَ بعيرًا له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ. ثم رفعَ يديهِ حتى رأينا عُفْرَتَي إبطيهِ، وقال: اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ هل بلغتُ؟ (ثلاثًا).

»
ابن تيمية العصر النبوي

جوهر المقولة

يُرسّخُ هذا الحديثُ الشريفُ مبدأً إسلاميًا عظيمًا في الأمانةِ والنزاهةِ والمسؤوليةِ العامةِ. فهو يُبيِّنُ أنَّ أيَّ منفعةٍ أو هديةٍ يتلقاها الموظفُ أو العاملُ بسببِ وظيفتهِ، لا تُعدُّ ملكًا له شخصيًا، بل هي جزءٌ من المالِ العامِّ الذي اؤتمنَ عليه.

يُشدِّدُ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ على أنَّ هذه الهدايا ما قُدِّمَت إلا لمكانةِ الوظيفةِ، وليس لشخصِ الموظفِ بحدِّ ذاتهِ. ويُعطي مثالًا بليغًا بأنَّه لو كانَ هذا الشخصُ جالسًا في بيتهِ دونَ منصبٍ، لما قُدِّمَت إليهِ تلكَ الهدايا، مما يُؤكِّدُ أنَّها رشوةٌ مُقنَّعةٌ أو استغلالٌ للمنصبِ.

ويُحذِّرُ الحديثُ تحذيرًا شديدًا من مغبةِ أخذِ أيِّ شيءٍ من هذا المالِ بغيرِ حقٍّ، مُصوِّرًا العقابَ الأُخرويَّ تصويرًا مُفزعًا؛ فكلُّ من يأخذُ شيئًا من ذلكَ المالِ سيأتي يومَ القيامةِ يحملُهُ على عنقهِ، سواءٌ كانَ بعيرًا يُصدرُ صوتَ الرغاءِ، أو بقرةً تُصدرُ صوتَ الخوارِ، أو شاةً تُصدرُ صوتَ اليعارِ، في مشهدٍ يُجسِّدُ حجمَ الجرمِ وثقلَ المسؤوليةِ.

ويختتمُ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ هذا الموقفَ برفعِ يديهِ والدعاءِ ثلاثًا: "اللهمَّ هل بلغتُ؟"، مُؤكِّدًا بذلكَ على أهميةِ الرسالةِ وضرورةِ تبليغِها للأمةِ جمعاءَ، لتبقى مبادئُ الأمانةِ والعدلِ راسخةً في نفوسِ المسلمينَ.