حكمة إن من القضايا ما لا تُحلّ بضجيج الصحف وصيحاتها، بل تُحلّ بالعدل الذي لا يتزعزع، وتُحكَم بالقانون الذي لا يُحابي، وتُوجَّه بالضمائر الحية التي لا تنام.
حكمة لقد أدركتُ أن لعن الظلم لا يجدي، وأن مدح العدل لا يجدي، وأن خلع الشوك لا يكفي، وأن قول الشعر محض خيانة!
حكمة ينادون بالحرية والعدل والمساواة، فهل يحتملون فعلاً تلك القيم السامية؟ هل يقبلونها لغيرهم أم يبتغونها لأنفسهم فحسب؟ لقد ثاروا من أجلها، فأين هي تلك الحرية التي منحوها لخصومهم؟ من منهم توخى العدل حين سنحت له فرصة الظلم؟ من منهم عامل الآخرين بالمساواة التي كان يطالب بها؟ لا أحد منهم، لا الإخوان ولا السلفيون ولا اليساريون ولا الديمقراطيون.
حكمة يتجلى البغي والظلم أحيانًا في فعل الظالم نفسه، وأحيانًا أخرى في صمت من يشهد هذا البغي ولا يُنكره.
حكمة لا المدافع ولا كل قوى العالم تستطيع أن تخرس صوت شعب مصر أو تحكمه رغماً عنه. ستظل الأمة مصدر السلطات رغم كل شيء، وسيظل الشعب مصراً على أن يكون صاحب الكلمة. ولربما أفلحت البنادق في أن ترهب، ولكن الرصاص لن يخرس صرخات العدل والحرية. وقد تفلح القوة الغاشمة في أن تنتزع الأرض، وفي أن تزحم السجون بالأحرار، وأن تصنع الأزمة فلا يفكر أحد إلا في لقمة العيش. ولكن الناس يدركون أن الحرية هي التي توفر الطعام، وأن الدستور هو الذي يضمن الحقوق، وأن اختيارهم الحر لمن يحكمون هو الذي يضمن شروطاً إنسانية للحياة.
حكمة فلتذكروني لا بسفككم دماء الآخرين، بل اذكروني بانتشال الحق من ظفر الضلال، بل اذكروني بالنضال على الطريق، لكي يسود العدل فيما بينكم. فلتذكروني بالنضال. فلتذكروني عندما تغدو الحقيقة وحدها حيرى حزينة، فإذا بأسوار المدينة لا تصون حِمى المدينة، لكنها تحمي الأمير وأهله والتابعين. فلتذكروني عندما تجد الفصائل نفسها أضحت غريبة، وإذا الرذائل أصبحت هي وحدها الفضلى الحبيبة، وإذا حُكمتم من قصور الغانيات ومن مقاصير الجواري، فاذكروني. فلتذكروني حين تختلط الشجاعة بالحماقة، وإذا المنافع والمكاسب صارت ميزان الصداقة، وإذا غدا النبل الأبي هو البلاهة، وبلاغة الفصحاء تقهرها الفكاهة، والحق في الأسمال مشلول الخطى حذر السيوف! فلتذكروني حين يختلط المزيف بالشريف، فلتذكروني حين تشتبه الحقيقة بالخيال، وإذا غدا البهتان والتزييف والكذب المجلجل هي آيات النجاح، فلتذكروني في الدموع. فلتذكروني حين يستقوي الوضيع، فلتذكروني حين تغشى الدين صيحات البطون، وإذا تحكم فاسقوكم في مصير المؤمنين، وإذا اختفى صدح البلابل في حياتكم ليرتفع النباح، وإذا طغى قرع الكؤوس على النواح، وتجلجل الحق الصراح، فلتذكروني. وإذا النفير الرائع الضَّرّاف أطلق في المراعي الخضر صيحات العداء، وإذا اختفى نغم الإخاء، وإذا شكا الفقراء واكتظت جيوب الأغنياء، فلتذكروني. فلتذكروني عندما يفتي الجهول، وحين يستخزي العليم، وعندما يستحلي الذليل، وإذا تبقى فوق مائدة امرئ ما لا يريد من الطعام، وإذا اللسان أذاع ما يأبى الضمير من الكلام، فلتذكروني. فلتذكروني إن رأيتم حاكميكم يكذبون ويغدرون ويفتكون، والأقوياء ينافقون، والقائمين على مصالحكم يهابون القوي ولا يراعون الضعيف، والصامدين من الرجال غدوا كأشباه الرجال، وإذا انحنى الرجل الأبي، وإذا رأيتم فاضلاً منكم يؤاخذ عند حاكمكم بقوله، وإذا خشيتم أن يقول الحق منكم واحد في صحبه أو بين أهله، فلتذكروني. وإذا غُزيتم في بلادكم وأنتم تنظرون، وإذا اطمأن الغاصبون بأرضكم وشبابكم يتماجنون، فلتذكروني عند هذا كله ولتنهضوا باسم الحياة كي ترفعوا علم الحقيقة والعدالة. فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من الطغاة، وبذاك تنتصر الحياة. فإذا سكتّم بعد ذلك على الخديعة، وارتضى الإنسان ذله، فأنا سأذبح من جديد، وأظل أُقتل من جديد، وأظل أُقتل كل يوم ألف قتلة. سأظل أُقتل كلما سكت الغيور وكلما أغفى الصبور، سأظل أُقتل كلما رغمت أنوف في المذلة، ويظل يحكمكم يزيد ويفعل ما يريد، وولاته يستعبدونكم وهم شر العبيد، ويظل يلقنكم وإن طال المدى جرح الذل.
الفلسفة الوجودية إنه يأبى أن ينعم بطمأنينة زائفة، طمأنينة الإقرار بواقع الأمر الفاسد المستقر. فهو يحس في أعماقه أن جوهر وجوده يحتم عليه أن يقتلع جذور الفساد كلها من الأرض الطيبة التي غرس البشر فيها الظلم والبهتان.
حكمة “انا اكره الحب من طرف واحد..لأن فيه ظلماً شديداً. طرفٌ يأخذ كل شيء، و طرفٌ آخر يدفع كل شيء… حتى الحب يقوم على العدل..”