وعظ
نص موثق
«

تأمل الآن في عظيم الفزع الذي يستولي على فؤادك حين ترى الصراط ودقته المتناهية، وحين يقع بصرك على سواد جهنم العميق من تحته، وحين يقرع سمعك شهيق النار وتغيظها الرهيب. وقد كُلِّفتَ أن تمشي على هذا الصراط، مع ما يعتريك من ضعف الحال، واضطراب القلب، وتزلزل القدم، وثقل الظهر بالأوزار التي كانت تمنعك من المشي بيسر على بساط الأرض المستوية، فضلًا عن حدة الصراط وروعته. فكيف سيكون حالك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته البالغة، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الأخرى؟ والخلائق من حولك يزلون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تشهد كيف تنكس رؤوسهم إلى جهة النار وتعلو أرجلهم. فيا له من منظر ما أفظعه، ويا له من مرتقى ما أصعبه، ويا له من مجال ما أضيقه! فاللهم سلم سلم.

»
القرطبي العصر الوسيط

جوهر المقولة

يُقدم القرطبي في هذه المقولة وصفًا بلاغيًا مؤثرًا ومشهدًا أخرويًا مهيبًا، يهدف إلى إيقاظ القلوب وتذكير النفوس بحقيقة المصير الأبدي. إنه يدعو القارئ إلى التفكير العميق والتأمل في لحظة الحساب الكبرى، حيث يُعرض على الإنسان عبور الصراط، وهو جسر دقيق يمتد فوق جهنم.

تُبرز المقولة الفزع الشديد الذي سيعتري الإنسان في تلك اللحظة، من خلال تصوير حسي للرؤية (سواد جهنم)، والسمع (شهيق النار وتغيظها)، والشعور (دقة الصراط وحدته). وتُشير إلى ضعف الإنسان الجسدي والنفسي في مواجهة هذا الموقف، مع ثقل الأوزار والذنوب التي تُثقل ظهره، مما يجعل مهمة العبور شبه مستحيلة لغير من يتلقى عونًا إلهيًا.

إن هذا الوصف ليس مجرد سرد لحدث مستقبلي، بل هو دعوة فلسفية للتوبة، والإنابة، والعمل الصالح في الحياة الدنيا. إنه تذكير بأن كل فعل، وكل ذنب، له وزن وتأثير على مصير الإنسان. المشهد الجماعي لتساقط الخلائق في النار، بينما يشاهد المرء ذلك، يُعزز من الشعور بالمسؤولية الفردية، ويُحفز على طلب السلامة والنجاة من الله تعالى، في مشهد يجمع بين الرهبة المطلقة والرجاء في الرحمة الإلهية.