لقد تعلمت أن أُحب طفولتي، وأن أُجِلَّ البسطاء، وأن أُعيد ترتيب خارطة هذا الوطن، وأن أقف بثباتٍ في صفوف الفقراء.
لِمَ أتحدثُ عن المدنِ والأوطانِ؟ أنتِ وطني، وجهُكِ وطني، صوتُكِ وطني، تجويفُ يدكِ الصغيرةِ وطني، وفي هذا الوطنِ وُلدتُ وأرجو أن أموتَ.
لا نُخدعنَّ مرة أخرى بالمحاور أو التحالفات، فالوطن الآن على مفترق الطرق، وأعني بذلك سائر الأمة العربية؛ فإما وحدة جامعة أو تشتت ودمار.
أدرك أن المراكب الراسية في المرفأ تضجر، بيد أن المراكب المبحرة تعاني الغربة وتشهد أن أوان العودة إلى الوطن قد أزف.
أعمى هوى الوطنِ العزيزِ عصابةً .. مُستهترينَ، إلى الجرائمِ ساروا، يا سوءَ سُنَّتِهم وقُبحَ غُلوِّهمْ .. إنّ العقائدَ بالغُلُوِّ تُضارُ، والحقُّ أرفعُ مِلَّةً وقضيّةً .. من أن يكونَ رسولَه الإضرارُ، أُخذتْ بذنبهمِ البلادُ وأمّةٌ .. بالريفِ ما يدرون: ما السردارُ، في فتنةٍ خُلِطَ البريءُ بغيرهِ .. فيها، ولُطِّخَ بالدَّمِ الأبرارُ، لَقِيَ الرجالُ الحادثاتِ بصبرهم .. حتى انجلَتْ غُمَمٌ لها وغِمارُ، لانوا لها في شدةٍ وصلابةٍ .. لينَ الحديدِ مَشَتْ عليه النارُ، الحقُّ أبلجُ، والكِنانةُ حُرَّةٌ .. والعزُّ للدستورِ والإكبارُ، الأمرُ شورَى، لا يَعيثُ مسلَّطٌ .. فيه، ولا يَطغَى به جبّارُ، إن العنايةَ بالبلادِ تخيَّرتْ .. والخيرُ ما تقضي وما تختارُ.
هل تدركون ما معنى أنَّ اللهَ موجودٌ؟ معناه أن تذوبَ همومُنا في كنفِ رحمةِ الرحيمِ ومغفرةِ الغفارِ. ألا يُبشّرُنا ربُّنا بقولهِ تعالى: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)، وأنَّ الضيقَ يأتي وفي طياتهِ الفرجُ؟ فأيُّ بشرى أعمقُ للاطمئنانِ من هذه البشرى! ولأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى واحدٌ أحدٌ، فلن يوجدَ في الوجودِ إلهٌ آخرُ ينقضُ وعدَهُ، ولن ننقسمَ على أنفسِنا، ولن تتوزّعَنا الجهاتُ، ولن نتشتتَ بين ولاءٍ لليمينِ وولاءٍ لليسارِ، وتزلّفٍ للشرقِ وتزلّفٍ للغربِ، وتوسّلٍ للأغنياءِ وارتماءٍ على أعتابِ الأقوياءِ. فكلُّ القوةِ عندَهُ، وكلُّ الغنى عندَهُ، وكلُّ العلمِ عندَهُ، وكلُّ ما نطمحُ إليهِ بينَ يديهِ. والهروبُ ليسَ منهُ بل إليهِ، فهو الوطنُ والحمى والملجأُ والمستندُ والرصيدُ والبابُ والرحابُ.
وحَكَمَ اللهُ بِهِجْرَةِ الوَطَنْ، وطالَما .. ابتلى بِها أهلَ الفِطَنْ. فكُنتُ أستَدعي على الهُمومِ .. بَناتَ فِكرٍ لَيْسَ بِالمَلُومِ. أستَدفِعُ الفَراغَ والعَطالَةَ .. وبَطَلٌ مَن يَقتُلُ البَطالَةَ.