إن الملايين ممن يعتزمون الهجرة يكونون قد هاجروا نفسيًا في لحظة تقديم الطلب، وهجروا الوطن على المستوى الشعوري. ويظل حالهم على هذا المنوال حتى لو مكثوا سنوات ينتظرون إشارة الرحيل. فتكون النتيجة الفعلية أننا نعيش في بلد يضم ملايين المهاجرين بالنية، أو الذين رحلوا بأرواحهم وبقيت أبدانهم تتحرك وسط الجموع كأنها أجساد الموتى الذين فقدوا أرواحهم، ولم يبق لديهم إلا الحلم الباهت بالرحيل النهائي.
أتعرف يا ناصر؟ كثيرًا ما أفكر في الهجرة. الهجرة من مصر؟ ليس بالضبط. هناك نوعان من الهجرة: هجرة إلى الداخل تكتشف فيها نفسك من جديد، تنقيها من الشوائب والعقد، وتطهرها من الآثام والحقد، وتسمو بها إلى آفاق أرحب وأسعد. وهجرة إلى الخارج لا يهم فيها نفسك وما بها، بل تأخذ نفسك وتهاجر إلى شيء آخر: لامرأة تصبوها، أو مال تجمعه، أو نفوذ تبنيه. وشتان بين الاثنين.
الهجرة الجغرافية ترافقنا من ولادتنا حتى مماتنا، والنتيجة هي أن جذورنا لا تنبت في الأماكن التي نستقر فيها.
ليُدرك الجميع أن الدنيا، مهما طال أمدها، فهي قصيرة، ومهما عظمت شأنها، فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما امتد لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.
ما قيمة العلم إن لم يُورثنا العمل؟! وما جدواه إن لم يُورثنا خشية الله؟! ما قيمته إن لم يُورثنا الأدب؟! وما فائدته إن لم يُورثنا التواضع؟! ما أهميته إن لم يُورثنا عفة الألسن وطهارة السرائر وصدق النوايا والطوايا؟!
أُحذِّر شبابنا وأولادنا! إن الإيمان يزداد بالطاعة وينقص بالمعصية، أيها الأحباب، فلا تُعرِّضوا قلوبكم لبيئات الذنوب والآثام ما استطعتم.