إنه لولا الهجرةُ المباركةُ لما قامت المدينةُ المنورةُ، ولولا المدينةُ لما ازدهرت دمشقُ، ولولا دمشقُ لما قامت بغدادُ ولا قرطبةُ، ولولا قرطبةُ وطليطلةُ لما بزغت أنوارُ باريسَ ولا لندنَ ولا نيويورك؛ فلو أنصفَ المتمدنونَ حقَّ الإنصافِ، لجاؤوا يحتفلونَ معنا بذكرى الهجرةِ النبويةِ الشريفةِ.

إننا نُدْرِكُ جَيِّدًا أنه مَا مِنْ أَحَدٍ يُمْسِكُ بِزِمَامِ السُّلطةِ وَهُوَ يَنْوِي التَّخَلِّيَ عنها طَوْعًا. إنَّ السُّلطةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِبُلُوغِ غَايَاتٍ أُخْرَى، بَلْ هِيَ الغَايَةُ فِي حَدِّ ذَاتِهَا. فَالْمَرْءُ لَا يُقِيمُ حُكْمًا استبداديًّا بِدَعْوَى حِمَايَةِ الثَّوْرَةِ، بَلْ قَدْ يُشْعِلُ الثَّوْرَةَ نَفْسَهَا لِإِقَامَةِ حُكْمٍ استبداديٍّ. إنَّ الغَايَةَ مِنْ الاضطهادِ هِيَ الاضطهادُ بِذَاتِهِ، وَالْهَدَفَ مِنْ التعذيبِ هُوَ التعذيبُ لِمُجَرَّدِهِ، وَمُنْتَهَى السُّلطةِ هِيَ السُّلطةُ فِي جَوْهَرِهَا. هَلْ بَدَأْتَ تُدْرِكُ مَغْزَى قَوْلِي الآن؟