أنا من يدرك أن الكلمة لدينا ليست غاية، بل وسيلة، وأنها إن لم تتجسد حجرًا في يد الأعزل، أو جوادًا تحت رِجل طريد، أو رمحًا في يد فارس، أو ضوءًا في عيني أعمى، فمصيرها السقوط في غياهب النسيان والغبار والصدأ.
أفي الزمن النسيان حقاً كما يزعمون؟ ليس الأمر كذلك، فالزمن يجلو الذاكرة، أشبه بالماء الذي يغمر الذهب، فمهما طال الأمد، يوماً أو ألف عام، تجده في قاع النهر يتلألأ. لا يفسد الماء إلا المعدن الرخيص الذي يصيب سطحه الصدأ في ساعة. لا يسقط الزمن الأصيل من حياة الإنسان، وإن علا موجه ودفع إلى القاع وغمر، ولكنك إذا ما غصت، وجدت شجيرات المرجان الحمراء وحبات اللؤلؤ في المحار. لا يلفظ البحر إلا الطحالب والقواقع الحقيرة، وغرناطة هناك، كاملة التفاصيل، مستقرة في القاع غارقة.
النسيان أمرٌ مراوغ، يبدو للمرء أنه قد نسي، فيظن أن رغبةً ما، أو فكرةً ما، أو واقعةً ما قد سقطت منه وضاعت؛ والدليل على ذلك غيابها الكامل عن وعيه. يتطلع إلى ذلك النهر فيرى عليه ألف شيء: مراكب كبيرة وصغيرة، وبشراً عديدين، وقشةً تطفو على السطح، أو مخلفات لا قيمة لها. ثم ينتبه ذات يوم إلى أن ذلك الشيء يطفو فجأة، كأنه كان محفوظاً هناك في القاع، مغموراً بالماء، مستقراً كشجيرة مرجان أو لؤلؤة مستقرة في محارة. النسيان أمرٌ مراوغ.
الذكريات هي هويتنا الأخرى التي نُخفي حقيقتها عن الآخرين. حتى إن الكاتب ليُطلق شعارًا جديدًا: قُل لي ماذا تتذكر، أقُل لك من أنت؛ وهو أصدق شعار نفسي قرأته. جرّبوا هذه اللعبة: تعرّفوا على أنفسكم من خلال سؤالكم: ماذا تتذكرون بالضبط؟ أية ذكريات نجت من النسيان خلال عبوركم متاهات العمر؟ أية ذكريات لا تفارقكم كحياة؟ تلك هي بذاتها الذكريات التي تتحكم في حياتكم.
لا يدرك المرء كيف تحلّ به المصادفة. فبينما هو خالي الذهن من كل شأن، يعيش أيامه على وتيرة واحدة، إذا بالمصادفة تُنبِتُ زهرةً في كفه، فيتضوّعُ منها عبقٌ يملأ أيامه شذىً.
لقد صاغ محمد بن المختار الشنقيطي اثنتين وعشرين قاعدة علمية، استنبطها من قراءاته المتعمقة ودراساته الشاملة للموضوع من كافة جوانبه، ومن تأملاته الفلسفية العميقة، ومن موازناته المنصفة بين شتى المواقف والآراء والأحكام. وقد استُفيد في ذلك مما دونه الراسخون في العلم من أئمة الأمة، الذين امتازوا بالاعتدال وجمعوا بين صحيح النقل وصريح العقل، وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي أكثر من الاقتباس منه والاعتماد عليه. وهو مصيب في ذلك، وإن كان قد أبدى بعض الملاحظات عليه، إذ لا كبير في العلم، وهو على كل حال بشرٌ غير معصوم.
ما أشقَّ أن تكون حياتك مجرد مجموعة من الاستعارات الزائفة، وقد أمضيتَ كل هذا الدهر تؤمن بما أراده الآخرون لك أن تؤمن به. اختاروا لك اسمًا يجب أن تحبه وتدافع عن وجوده، كما اختاروا لك إلهًا تعبده وتُقاتل من يخالفك الرأي في جماله. تحمل عصاك، تضرب بها بأوامر إلهية على رؤوس من أسميتهم بالكفرة، ثم لا يلبث الرصاص أن يخرج جماعاتٍ متتالية ليصبح الموت حقيقة ماثلة.