حكمة
نص موثق
«

أفي الزمن النسيان حقاً كما يزعمون؟ ليس الأمر كذلك، فالزمن يجلو الذاكرة، أشبه بالماء الذي يغمر الذهب، فمهما طال الأمد، يوماً أو ألف عام، تجده في قاع النهر يتلألأ. لا يفسد الماء إلا المعدن الرخيص الذي يصيب سطحه الصدأ في ساعة. لا يسقط الزمن الأصيل من حياة الإنسان، وإن علا موجه ودفع إلى القاع وغمر، ولكنك إذا ما غصت، وجدت شجيرات المرجان الحمراء وحبات اللؤلؤ في المحار. لا يلفظ البحر إلا الطحالب والقواقع الحقيرة، وغرناطة هناك، كاملة التفاصيل، مستقرة في القاع غارقة.

»
رضوى عاشور معاصر

جوهر المقولة

هذه المقولة الفلسفية لرضوى عاشور تتناول طبيعة الذاكرة والنسيان، وتفنّد الاعتقاد الشائع بأن الزمن يمحو الذكريات. ترى الكاتبة أن الزمن ليس أداة للنسيان بقدر ما هو وسيلة لتصفية الذاكرة وتنقيتها. تستخدم استعارة الماء والذهب لتبين أن الذكريات الأصيلة والقيمة لا تضيع بمرور الزمن، بل تترسخ وتزداد بريقاً، تماماً كالذهب الذي لا يفسده الماء بل يبرز لمعانه بعد الغمر.

تؤكد المقولة أن الزمن لا يؤثر سلباً إلا على الذكريات السطحية أو الأحداث التافهة، التي تشبه المعدن الرخيص الذي يصدأ سريعاً. أما ما هو جوهري وأصيل في حياة الإنسان، فيظل موجوداً وإن غاب عن الوعي الظاهر، فهو كاللؤلؤ والمرجان في قاع البحر، يحتاج إلى الغوص لاكتشافه. وفي إشارة رمزية عميقة، تذكر "غرناطة" كرمز للتاريخ العظيم والأحداث الجليلة التي قد تبدو غارقة في غياهب الماضي، لكنها تظل كاملة التفاصيل ومستقرة في الذاكرة الجمعية، تنتظر من يغوص ليكتشفها ويعيد إحياءها. هذا يعكس إيماناً راسخاً بقوة الذاكرة وقدرتها على حفظ الجوهر رغم تقلبات الزمن.