النساءُ كَمَا احتوتْهُنَّ السماءُ؛ أولاهُنَّ نجمٌ، تقولُ فتُرِيكَ نورًا، والبعضُ يُرِيكَ نارًا. وثانيهنَّ كوكبٌ، تقولُ فتُرِيكَ ترابًا وماءً، والبعضُ يُرِيكَ ظلامًا. وثالثهنَّ قمرٌ، تقولُ فتُرِيكَ بدرًا، والبعضُ يُرِيكَ مَحاقًا. ورابعهنَّ شمسٌ، تقولُ فتُرِيكَ دفئًا، والبعضُ يُرِيكَ حرقًا ولسعًا لا يُشفى على الإطلاقِ. جميعهنَّ نساءٌ، فلا تغترَّ بالأسماءِ.
إذا كنتم عبيداً في الأرض وقيل لكم: ازهدوا في حرية الأرض، ففي السماء تنتظركم حرية لا توصف، فأجيبوه: من لم يتذوق الحرية في الأرض لن يعرف طعمها في السماء.
بكأسِ الشرابِ المرصَّعِ باللازوردِ انتظرها. على بركةِ الماءِ حولَ السماءِ وزهرِ الكولونيا انتظرها. بصبرِ الحصانِ المُعَدِّ لمنحدراتِ الجبالِ انتظرها. بسبعِ وسائدَ محشوةٍ بالسحابِ الخفيفِ انتظرها. بنارِ البخورِ النسائيِّ ملءَ المكانِ انتظرها. برائحةِ الصندلِ الذكريةِ حولَ ظهورِ الخيولِ انتظرها. ولا تتعجلْ، فإنْ أقبلتْ بعدَ موعدها فانتظرها، وإنْ أقبلتْ قبلَ موعدها فانتظرها. ولا تُجفلِ الطيرَ فوقَ جدائلها وانتظرها. لتجلسَ مرتاحةً كالحديقةِ في أوجِ زينتها وانتظرها. لكي تتنفسَ هذا الهواءَ الغريبَ على قلبها وانتظرها. لترفعَ عن ساقها ثوبها غيمةً غيمةً وانتظرها. وخذها إلى شرفةٍ لترى قمراً غارقاً في الحليبِ انتظرها. وقدمْ لها الماءَ، قبلَ النبيذِ، ولا تتطلعْ إلى توأمي حجلٍ نائمينِ على صدرها وانتظرها. ومسَّ على مهلٍ يدها عندما تضعُ الكأسَ فوقَ الرخامِ كأنكَ تحملُ عنها الندى وانتظرها. تحدثْ إليها كما يتحدثُ نايٌ إلى وترٍ خائفٍ في الكمانِ، كأنكما شاهدانِ على ما يعدُّ غدٌ لكما وانتظرها. ولمِّعْ لها ليلها خاتماً خاتماً، وانتظرها إلى أن يقولَ لكَ الليلُ: لم يبقَ غيرُكما في الوجودِ، فخذها برفقٍ إلى موتكَ المشتهى وانتظرها.
حينما نختار الحياة، فإننا نختار معها مسيرة الشيخوخة حتمًا. نفعل ذلك رغبةً في البقاء على هذه الأرض لأمدٍ أطول، إذ لا يملك أحدٌ ضمانًا لشكل الوجود بعد الرحيل إلى السماء.
أرى السماءَ هنالك في متناول الأيدي، ويحملني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صوبَ طفولةٍ أخرى. لم أحلمْ بأني كنتُ أحلمُ؛ كلُّ شيءٍ واقعيٌّ. كنتُ أعلمُ أنني أُلقي بنفسي جانبًا وأطيرُ. سوف أكونُ ما سأصيرُ في الفلكِ الأخيرِ.
يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي .. ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ. عطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي .. من جِسميَ المُضنى، وقلبي المُدنَفِ. فالوَجْدُ باقٍ، والوِصالُ مُماطِلي .. والصّبرُ فانٍ، واللّقاءُ مُسَوّفي. لم أخلُ من حَسدٍ عليكَ، فلا تُضع .. سَهَري بتَشنيعِ الخَيالِ المُرجِفِ. واسألْ نُجومَ اللّيلِ: هل زارَ الكَرَى .. جَفني، وكيفَ يزورُ مَن لم يَعرِفِ؟
ببساطة نقول: في هذا الكون وجودٌ يُسمى الحضور، وآخر يُسمى الغياب. أما الحقيقة، فنحن الغياب ذاته؛ لم تلدنا سماءٌ ولم ينبتنا ترابٌ، إنما نحن زَبَدٌ يتبخر من نهر الكلمات، وصدأٌ يعتري السماء وأفلاكها، وصدأٌ في صميم الحياة.