والأدهى من أن تحيا حياة لا ترضيك، هو أن تكون – بحكم العقل والمنطق – المسؤول الأوحد عن مسارها، وأن تفقد حتى حجة التذرع بكونك ضحية للظروف.
ما الجدوى من ملاحقة الذاكرة وهي تتوارى، هاربة من ذاتها، شعثاء مُغبرّة، مروّعة بما استقرّ في جوفها من أهوال؟
إن السلاح النووي قد أُوجِدَ ليدمّر الكائنَ وليفسحَ المجالَ لبناءٍ جديدٍ على أنقاضه. أما هؤلاء البؤساء الذين اتخذوا الشارع مأوىً وملاذاً، فأي منطقٍ ذاك الذي يدفع بالآباء إلى إيجادهم ثم تدميرهم؟ وأيّهما أشد قسوةً في هذه الحال: الدمار النووي، أم غريزة الأبوة والأمومة حين تسبق أوانها وتُفضي إلى الهلاك؟
إن الحجج العقلانية تتقهقر وتفشل حين تصطدم بالمشاعر والعواطف الجياشة. ولهذا، تستمر الخرافات متجذرةً لقرونٍ عديدة، على الرغم من تعارضها الصارخ مع أبسط مبادئ المنطق السليم.
إن الذين يأتون الصواب لا يفعلونه بدافع احترامهم للمنطق، وكذلك الذين يرتكبون الخطأ لا يفعلونه انطلاقاً من احترامهم للمنطق. فليست الحضارة أو الأخلاق، أو غيابهما، محض منطقٍ أو فقدانٍ له. بل هي قدرةٌ أو عجزٌ عن القدرة. وليس أعظم الناس إبداعاً وحضارةً وأخلاقاً هم بالضرورة أعظمهم منطقاً.
إذا ما أنكرت على امرئٍ خروجه عن المنطق، فإنك في الحقيقة لا تنكر عليه إلا تجاوزه لأفكارك ومعتقداتك ومسلماتك أنت، أي أنك تنكر عليه خروجه عن سيطرتك وهيمنتك الفكرية.