حكمة
نص موثق
«

إن الإسلام يُقيم موازين العدل القسط بين الفرد والمجتمع؛ فلا يمنح الفرد من الحقوق والحريات ما يجعله يتضخم على حساب مصلحة المجموع، كما فعلت الرأسمالية. ولا يمنح المجتمع من الصلاحيات والسلطات ما يجعله يطغى ويضغط على الفرد حتى يضمر وينكمش وتذبل حوافزه ومواهبه، كما فعلت الشيوعية والاشتراكيات المتطرفة. وبهذا، يحافظ الإسلام على حرية الوطن ويرعى حرية المواطن. وهي حرية الفكر لا حرية الكفر، وحرية الضمير لا حرية الشهوة، وحرية الرأي لا حرية التشهير، وحرية الحقوق لا حرية الفسوق.

»
يوسف القرضاوي القرن العشرون والحادي والعشرون

جوهر المقولة

تُحلل هذه المقولة بعمق الفلسفة الاجتماعية والسياسية للإسلام، مقدمة إياه كنموذج وسطي متوازن بين النظم التي تُفرط في تمجيد الفرد أو تُبالغ في سلطة المجتمع. يرى القرضاوي أن الإسلام يتجنب الإفراط الرأسمالي الذي يُعلي من شأن الفرد وحرياته الاقتصادية، مما قد يؤدي إلى تضخم مصالحه على حساب الصالح العام وتفاقم الفوارق الاجتماعية. وفي المقابل، يتجنب الإفراط الاشتراكي والشيوعي الذي يُعلي من شأن المجتمع وسلطته المطلقة، مما قد يقمع الفرد ويحد من حوافزه وإبداعاته، ويُذيب شخصيته في بوتقة الجماعة.

يُقدم الإسلام، وفقاً للمقولة، حلاً وسطاً يضمن التوازن بين الحقوق والواجبات، ويحافظ على كرامة الفرد وحريته مع مراعاة مصلحة المجتمع. هذا التوازن ينعكس في مفهوم الحرية ذاته، الذي لا يراه الإسلام مطلقاً بلا قيود، بل حرية منضبطة بضوابط شرعية وأخلاقية. فهي حرية فكرية لا تمس العقيدة الأساسية (الكفر)، وحرية ضميرية لا تنحرف إلى إشباع الشهوات الجامحة، وحرية رأي لا تتحول إلى تشهير وإيذاء للآخرين، وحرية حقوقية لا تتعدى حدود الفسوق والانحراف عن القيم. هذا التحديد للحرية يهدف إلى بناء مجتمع متماسك يحترم الفرد ويصون الجماعة، ويحقق الأمن والاستقرار والعدالة.