جوهر المقولة
يُقدم الإمام الشافعي في هذه المقولة رؤية متكاملة لمدارج العلم والفضل، ويُبيّن أثر كل نوع من أنواع المعرفة في بناء شخصية العالم والمتعلم. فالبداية بحفظ القرآن الكريم، الذي هو كلام الله، ترفع من شأن حافظه وتُعلي من قدره لما فيه من نور وهداية. ثم تأتي منزلة التفقه في الدين، وهو فهم أصوله وفروعه، مما يُعظّم قيمة المرء ويجعله مرجعًا للناس في أمور دينهم ودنياهم.
ويُضيف أن حفظ الحديث النبوي الشريف يُقوّي حجة العالم ويُثبّت براهينه في الاستدلال والجدال، لأنه يمثل السنة النبوية الشارحة للقرآن. كما أن إتقان اللغة العربية والشعر يُرقّق الطبع ويُهذّب الذوق ويُنمّي الفصاحة والبلاغة.
لكن ذروة هذه المقولة وخلاصتها تكمن في الجملة الأخيرة: "ومَن لم يَصُنْ نفسَهُ لم يَنفَعْهُ العِلمُ." فهذه الجملة تُعدُّ حجر الزاوية، إذ تُشير إلى أن العلم وحده لا يكفي ما لم يقترن بالتقوى وصيانة النفس عن المعاصي والرذائل. فالعلم بلا عمل أو بلا أخلاق فاضلة لا يُجدي نفعًا لصاحبه ولا للمجتمع، بل قد يكون حجة عليه. إنها دعوة إلى تزكية النفس مع تحصيل العلم.