وصف اجتماعي
نص موثق
«

تشرُدُ وتنتقي كلماتٍ مناسبةً لحكاياتها العتيقة عن الماضي، تصفُ بحماسٍ ثيابَ رفيقاتها الأنيقةَ وأريجهنَّ الفوّاحَ المفعمَ بالأملِ، تستعرضُ صورَ متظاهراتٍ يماثلنَ ثمارَ القطنِ البكرِ، ناصعاتِ البياضِ تحتَ شمسٍ غاربةٍ، تتابعُ مديحَها للماضي، تستحضرهُ بلذّةٍ منتقمةٍ من حياتها الراهنةِ البائسةِ، تصفُ الشمسَ القديمةَ، وتحنّ إلى عبقِ الترابِ العتيقِ بعدَ أولِ قطرٍ، فتوحي إلينا بأن كلَّ شيءٍ قد تبدّل حقًّا، وكم نحنُ تعساءُ لأننا لم ننعمْ بذاك الزمانِ الغابرِ الجميلِ، حيثُ الخسُّ أطرى والنساءُ أكثرُ أنوثةً.

»
خالد خليفة العصر الحديث

جوهر المقولة

تُصوّر هذه المقولةُ حالةَ الحنينِ المفرطِ للماضي، حيثُ يتجلى الإنسانُ في استحضارِ ذكرياتٍ منتقاةٍ بعنايةٍ فائقةٍ، لا ليعيشها فحسب، بل ليعيدَ صياغتَها وتجميلَها بما يتناسبُ مع رغبتِه في الهروبِ من واقعٍ قاسٍ أو حاضرٍ لا يرضيه.

إنَّ هذا الاستحضارَ ليس مجردَ استذكارٍ بريءٍ، بل هو فعلٌ انتقاميٌّ من الحاضرِ، محاولةٌ واعيةٌ أو غيرُ واعيةٍ لتشويهِ الواقعِ الراهنِ عبرَ مقارنتِه بماضٍ مُثاليٍّ مصطنعٍ، حتى وإن كان هذا الماضي لا يحملُ من المثاليةِ سوى ما أضفتْه عليه الذاكرةُ المنتقيةُ.

تُبرزُ المقولةُ أيضًا تأثيرَ هذا السردِ على المتلقّي، حيثُ يُغرسُ فيه شعورٌ بالبؤسِ والتعاسةِ لعدمِ معايشتِه ذلكَ الزمنَ المزعومَ الجميلَ، مما يعكسُ قدرةَ السردِ على تشكيلِ الوعيِ الجمعيِّ وتأصيلِ نظرةٍ سوداويةٍ للحاضرِ.

فلسفيًّا، تُشيرُ هذه الظاهرةُ إلى طبيعةِ الوعيِ الإنسانيِّ في التعاملِ مع الزمنِ والواقعِ، وكيفَ أنَّ الذاكرةَ ليست مجردَ خزانٍ للأحداثِ، بل هي أداةٌ فعّالةٌ لإعادةِ بناءِ التجربةِ وتلوينِها وفقَ الحاجاتِ النفسيةِ، حتى لو أدى ذلك إلى خلقِ وهمٍ جميلٍ يريحُ النفسَ من قسوةِ الحقيقةِ.