جوهر المقولة
يكشف ابن تيمية في هذه المقولة عن بصيرة فقهية وعقدية عميقة، تُحدد جوهر الدعاء وأنفعه، وتُربط ذلك بأساسيات العبادة في الإسلام.
يرى أن أنفع الدعاء ليس طلب الحاجات الدنيوية فحسب، ولا حتى طلب المغفرة والجنة بمعزل عن الهدف الأسمى، بل هو طلب العون من الله لتحقيق مرضاته. هذا التوجه يُعلي من شأن الدعاء ليجعله وسيلة لتحقيق الغاية الكبرى من الوجود الإنساني، وهي عبادة الله على الوجه الذي يرضاه. فإذا رضي الله عن العبد، شملته رحمته وفضله في الدنيا والآخرة، وهذا يتضمن كل خير.
يُبرز ابن تيمية عبقريته بربط هذا المفهوم بقلب القرآن، سورة الفاتحة، وتحديدًا آية {إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينُ}. فقوله "إياكَ نعبدُ" هو إقرار بالغاية والهدف، وهو إفراد الله بالعبادة. وقوله "وإياكَ نستعينُ" هو طلب للوسيلة والمعونة على تحقيق تلك العبادة على أكمل وجه وأرضاه. فالمؤمن لا يستطيع أن يعبد الله حق عبادته إلا بعون منه سبحانه، وهذا العون هو ما يجعله قادرًا على فعل ما يرضي الله واجتناب ما يسخطه. وبهذا تكون هذه الآية جامعة لكل خير، فهي دعاء بطلب العون على تحقيق مرضات الله في كل شؤون العبادة والحياة.