دين وإيمانيات
نص موثق
«

المستقبلُ بالنسبةِ للهِ حدثٌ في علمِه وانتهى، وكلُّ ما يأتي في الغدِ القريبِ والبعيدِ بالنسبةِ للهِ تحصيلُ حاصلٍ. ولهذا نجدُ اللهَ يصفُ أحداثَ يومِ القيامةِ بالفعلِ الماضي مع أنها مستقبلٌ، كما في قولِه تعالى: (ونُفِخَ في الصُّورِ فجَمَعْناهُم جَمْعًا).

»

جوهر المقولة

تُقدّمُ هذه المقولةُ لمصطفى محمودَ رؤيةً لاهوتيةً عميقةً حولَ طبيعةِ علمِ اللهِ وعلاقتِهِ بالزمنِ. فهي تُؤكّدُ أنَّ مفهومَ المستقبلِ، كما نُدركُهُ نحنُ البشرَ ضمنَ تسلسلٍ زمنيٍّ خطّيٍّ، لا ينطبقُ على الذاتِ الإلهيةِ. فبالنسبةِ للهِ، الذي هو مُنزّهٌ عن قيودِ الزمانِ والمكانِ، فإنَّ كلَّ ما سيحدثُ قد وقعَ بالفعلِ في علمِه الأزليِّ المُحيطِ بكلِّ شيءٍ، فهو "حدثٌ في علمِه وانتهى".

تُشيرُ المقولةُ إلى أنَّ كلَّ ما ننتظرُهُ في الغدِ القريبِ أو البعيدِ هو بالنسبةِ للهِ "تحصيلُ حاصلٍ"، أي أمرٌ معلومٌ ومُقرّرٌ سلفًا. ويُقدّمُ مصطفى محمودَ دليلًا على ذلكَ من القرآنِ الكريمِ، حيثُ يصفُ اللهُ أحداثَ يومِ القيامةِ المستقبليةَ بصيغةِ الفعلِ الماضي (مثل: "ونُفِخَ في الصُّورِ فجَمَعْناهُم جَمْعًا"). هذا الاستخدامُ اللغويُّ لا يُشيرُ إلى أنَّ الأحداثَ قد وقعتْ بالفعلِ زمنيًّا، بل يُؤكّدُ على حتميتِها المطلقةِ وكمالِ علمِ اللهِ بها، كأنها قد أُنجزتْ في حكمِه وقضائِه، مما يُرسّخُ مفهومَ القدرةِ الإلهيةِ الشاملةِ والعلمِ المُحيطِ بكلِّ تفاصيلِ الوجودِ.