حكمة
نص موثق
«

الحكاية أَن لا حكاية.
تلك التي قالها القبطان كانت خرافة، كي يسلِّي المسافرين في المحيط المديد.
والحكايةُ الأخرى كانت خرافة أيضاً، كي يسلِّي الذين يغرقون.

الحكاية أنْ لا أحد في البستان، ولا أحد في الخيمة.
ومن كان ينام ويزرع كان خيالاً.
لا خيمة ولا بستان، لكنْ قيل ذلك كي يظنَّ الشجر أنَّ له ظلاً، ويظنّ التراب أنَّه أُمّ.

الحكاية أَنْ لا أُمَّ، ولا قبطان، ولا مركب، ولا ظِلَّ، ولا حكاية.

»
وديع سعادة العصر الحديث

جوهر المقولة

هذه القصيدة لوديع سعادة هي تأمل فلسفي عميق في طبيعة الوجود، الحقيقة، والوهم. تبدأ القصيدة بتفكيك فكرة "الحكاية" نفسها، لتعلن أن لا حكاية جوهرية أو حقيقة مطلقة يمكن الركون إليها. كل ما يُروى أو يُعتقد هو مجرد "خرافة" أو سرد زائف، وظيفته الوحيدة هي التسلية أو التخفيف من وطأة الواقع المؤلم.

فالقبطان يروي الخرافات للمسافرين لتخفيف ملل الرحلة، وللمحتضرين لتخفيف رعب الغرق. هذا يكشف عن وظيفة السرديات والأوهام في حياة الإنسان: إنها مسكنات للألم، أو وسائل للهروب من عبثية الوجود. لا تهدف إلى كشف الحقيقة، بل إلى إخفائها أو تجميلها.

تتوسع القصيدة في هذا النفي لتشمل كل رموز الوجود البشري: البستان، الخيمة، الزارع. كلها تتلاشى لتصبح مجرد أوهام أو "خيال". حتى الطبيعة نفسها، التي تُمنح صفات إنسانية كالأمومة والظل، هي مجرد مفاهيم أُلبست عليها لتعطي معنى لوجودها، بينما هي في جوهرها خالية من هذه المعاني. الشجر يظن أن له ظلاً، والتراب يظن أنه أم، لكن هذه الظنون ليست سوى خرافات تُروى لتضفي وجودًا أو معنى على العدم.

الخلاصة القاسية في النهاية هي نفي شامل لكل ما سبق: لا أم، لا قبطان، لا مركب، لا ظل، ولا حكاية. إنها ذروة العدمية التي ترى الوجود برمته سلسلة من الأوهام واللاوجود. القصيدة تتحدى كل السرديات الكبرى والصغرى التي يبنيها الإنسان ليمنح حياته معنى، لتكشف عن فراغها وجوهرها العدمي. إنها دعوة للتفكير في هشاشة المعنى، وزيف الحقائق التي نتمسك بها، والطبيعة الوهمية للوجود نفسه.