حكمة
نص موثق
«

البخلُ وصمةُ عارٍ، والجبنُ نقيصةٌ، والمُقِلُّ غريبٌ في وطنِه، والعجزُ داءٌ، والصبرُ بطولةٌ، والزهدُ غنىً، والورعُ وقايةٌ.

»
علي بن ابي طالب صدر الإسلام

جوهر المقولة

هذه المقولةُ جامعةٌ لصفاتٍ إنسانيةٍ متناقضةٍ، تُبرزُ منها ما هو مذمومٌ وما هو محمودٌ، وتُقدِّمُ رؤيةً أخلاقيةً متكاملةً تُحدِّدُ معالمَ الشخصيةِ الفاضلةِ. إنها تُشيرُ إلى أنَّ الفضائلَ والرذائلَ ليست مجردَ صفاتٍ عابرةٍ، بل هي مؤثرةٌ بعمقٍ في حياةِ الفردِ ومكانتهِ الاجتماعيةِ والروحيةِ.

البخلُ عارٌ: يُشيرُ إلى أنَّ الشحَّ بالمالِ أو المعروفِ يُفقدُ الإنسانَ كرامتَه ويُقلِّلُ من قيمتِه في عيونِ الناسِ، ويُصبحُ وصمةً تُلاحقُه وتُعيِّرُه.

والجبنُ منقصةٌ: فالخوفُ والترددُ عن مواجهةِ الحقِّ أو الدفاعِ عن النفسِ والمبادئِ يُنقصُ من قدرِ الإنسانِ ويُظهِرُ ضعفَه، ويُصبحُ عيبًا يُعيقُه عن تحقيقِ ذاتِه أو نصرةِ الحقِّ.

والمُقِلُّ غريبٌ في بلدتهِ: تُعبِّرُ هذه الجملةُ عن حقيقةٍ اجتماعيةٍ مُرَّةٍ، وهي أنَّ الفقرَ قد يُجرِّدُ الإنسانَ من مكانتِه وقيمتِه حتى في محيطه القريب، فيُصبحُ كالغريبِ الذي لا سندَ له ولا اعتبارَ له، بالرغمِ من أنه في موطنهِ وبينَ أهلهِ.

والعجزُ آفةٌ: فعدمُ القدرةِ على الفعلِ أو الإنجازِ، سواءٌ كانَ عجزًا بدنيًا أو ذهنيًا أو إراديًا، هو داءٌ يُصيبُ الإنسانَ ويُعيقُه عن النموِّ والتقدمِ، ويُصبحُ سببًا للجمودِ والتخلفِ.

والصبرُ شجاعةٌ: يُعلي من شأنِ الصبرِ، فليسَ الصبرُ مجردَ تحملٍ سلبيٍّ، بل هو قوةٌ داخليةٌ عظيمةٌ تُمكنُ الإنسانَ من الثباتِ في وجهِ الشدائدِ والمحنِ، ومواصلةِ السعيِ نحو الأهدافِ، وهو بذلكَ يُصبحُ ضربًا من البطولةِ التي تتطلبُ قوةَ إرادةٍ وعزيمةً لا تلينُ.

والزهدُ ثروةٌ: يُقدِّمُ الزهدَ، وهو عدمُ التعلقِ بالدنيا ومتاعِها، على أنه غنىً حقيقيٌّ للروحِ. فالزاهدُ يجدُ اكتفاءَه في القناعةِ والرضا، ولا تُقيِّدهُ شهواتُ الدنيا ومطامعُها، فيُصبحُ غنيًا بنفسِه لا بما يملكُ، وهو غنىً يفوقُ غنى المالِ لأنه يمنحُ السكينةَ والحريةَ الحقيقيةَ.

والورعُ جُنَّةٌ: يُشيرُ إلى أنَّ الورعَ، وهو شدةُ التحرزِ عن الشبهاتِ والابتعادِ عن المحرماتِ، هو بمثابةِ درعٍ واقٍ يحمي الإنسانَ من الوقوعِ في الخطايا والآثامِ، ويُحصِّنُ قلبَه وضميرَه، ويُحافظُ على طهارتِه ونقائِهِ، وهو بذلكَ يُصبحُ حمايةً روحيةً وأخلاقيةً تُبعدُه عن مواطنِ الهلاكِ.