نرى في الحياة الخفية أن المنعزلَ ينفصل عن الآخرين بذكائه الذي يُحطّم قيمهم بلا هوادة، ويُعيقه عن التعبير عن ذاته (فرض وجوده) لعجزه عن استبدال تلك القيم بقيم جديدة. فمشكلته إذن هي مشكلة سفر الجامعة: لا شيء يستحق بذل أي جهد.
ولكني الآن لا أسعى إلا لإسعاد برناردا والموت بين ذراعيها عندما تحين الساعة. إنني أسعى لأن أكون رجلًا محترمًا مرة ثانية، ليس لأجلي؛ فأنا لا أنتظر احترامًا من قطيع القردة الذي يُدعى الجنس البشري، ولكن لأجلها.
إن اللهب يموت بمتعة، إنه يموت وهو يغفو، ويعلم ذلك كل حالم بشمعة، كل حالم بلهب صغير. فكل ما هو فاجع في حياة الأشياء، هو فاجع في حياة العالم. وكلنا يحلم مرتين عندما يحلم بصحبة شمعته.
الإنسان، بما هو إنسان، لا يستطيع أن يحيا حياة أفقية محضة؛ ففي غالب الأحيان، تُعدّ راحته ونومه ضربًا من السقوط.
يُرى أطفالٌ يتخلّون عن لهوهم لينزووا في زاويةٍ من علّيّةٍ، يستسلمون فيها لضجرهم. ما أشدّ حنيني إلى علّيّة ضجري تلك، حينما تُفقدني تعقيداتُ الحياة جوهرَ حريّتي!
إن الأوهام، وإن كانت تخدعك، فإنها تؤنسك، أما الحقيقة الباردة الصارمة فغالباً ما تلقي بك في وحشة قاسية.
قد يجد الإنسان نفسه محاطًا بالبشر، ومع ذلك يعتريه شعور عميق بالوحدة، لأن نمط تفكيره يتجاوز مدارك الآخرين أو يختلف عنها.
أعلم جيدًا ما ستقوله، وما قلته، وما قلته أنا. كم مرة تبادلنا الحديث، وكم مرة صرخنا في وجه بعضنا؟ وكم مرة بكينا وتركنا بعضنا؟ وكم مرة انهارت مقاومتنا وعدنا؟ أعلم أني كنت أدرك من البداية من أنت ومن أنا، ولكني كنت آمل سرًا أن تغير رأيك، أن تتغير أنت نفسك، أو أن تختفي المشكلة. لكن المعجزة لم تحدث، وكنت أعلم أنها لن تحدث، ولكني كنت آمل على الرغم من يقيني. من قال إن اليأس والأمل ضدان؟ كنت يائسة وكان عندي أمل.
إن خلق العالم بالصدفة هو مجرد افتراض وتخمين، وليس حقيقة علمية ثابتة. ومن الاعتراضات المعروفة على هذا الرأي أن نشأة كائن معقد كالإنسان من تلك الذرات مصادفةً، هو أمر أبعد احتمالاً من أن يضرب قردٌ على آلة كاتبة فيخرج لنا قصيدةً رائعةً.
قد يتّهمني البعض بالجنون، وهم لا يعلمون أن للجنون لذةً لا يعرفها إلا من تجاوز ما يُسمى بمرحلة العقلاء.
بين بهاء الأماني وخلود الحلم، تحيا الروح على الأمل، ترسم مدائن من حروف، وتشيد عوالم من كلمات، ويبقى الحلم الأسمى منقوشًا في جوهرها بأربعة أحرف.
لا أقولُ هذا الكلامَ تحريضًا أو إثارةً. لستُ بهذه الدرجةِ من الرعونةِ، وما عدتُ بسذاجةِ صبايَ أعدُّ نفسي نبيًّا أو قدّيسًا عليه أن يُبشِّرَ ويدعو. إنما فقدتُ الثقةَ، وأوشكتُ الآنَ أن أنسحبَ بهدوءٍ من مسرحِ الحياةِ، دونَ أن يشعرَ بي أحدٌ، ودونما رغبةٍ من أيِّ نوعٍ كانت.
تمنيت لو أسمو بنفسي فوق البشر، فوق همومهم وحقارتهم وقسوتهم، بيد أنني أخفقت. فشيء ما يستدرجني إلى ما يعجز عقلي عن إدراك حقيقته وجوهره؛ إنه لشيء شارد، تستشعره الحواس كلها.
من أجمل ما يمكن أن يحدث هو أن تلقي بنفسك كل يوم من النافذة بتلذذ متجدد واكتشافات فاتنة. أن تراسل امرأة مجهولة فتعشقها وتشتهيها، ثم تلتقي بها، وعلى عكس تخوفاتك، تجدها مذهلة. أقول ذلك على سبيل المثال فيما يتعلق بما نسميه الصدفة، أي الحتمية.