كلما دنا المرء من نهاية مسعاه، تضاعف ما يود قوله. إن النهاية ليست سوى وهم، غاية يبتدعها المرء حافزًا له على المضي قدمًا. وما أقصده هو أن تلك اللحظة تأتي حين يدرك المرء أنه لن يبلغها قط. وقد يضطر للتوقف، لكن ذلك لا يكون إلا لأن الوقت قد داهمه. يتوقف المرء، بيد أن توقفه لا يعني أبدًا أنه قد أدرك النهاية حقًا.
بعد أن كان الصمتُ سلاحي الذي أواجه به العالم الخارجيَّ، اكتشفتُ بمرور الأيام تآكلَ هذا السلاح وعدمَ جدواه، لأن الصمتَ إن كان ذا دلالةٍ، ويعني موافقةً أو رضا في وقتٍ سابقٍ، فلم يعد يكفي لهؤلاء المحاربين.
ليس من الحكمة الركون إلى العقل وحواسنا المحدودة وحدها لإدراك كنه الحياة؛ بل هناك أدوات أخرى للمعرفة، كالغرائز والخيال والأحلام والعواطف والحدس.
إن معظم الشخصيات التي تخلب الألباب في مستهل الأمر، تتحول شيئاً فشيئاً إلى شخصياتٍ دون العادية، ذلك لأن وهج النور المفاجئ يُحدث عمىً مؤقتاً.
لم أستطع أن أكون شيئًا ذا بال، حتى الشر استعصى عليّ. لم أكن خبيثًا ولا طيبًا، لا دنيئًا ولا شريفًا، لا بطلًا ولا حشرة. واليوم، في هذا الركن الضيق، أختم حياتي، محاولًا أن أواسي نفسي بعزاءٍ واهٍ، زاعمًا أن الرجل الفطن لا يفلح أبدًا في أن يصبح شيئًا، وأن الأبله وحده هو من يبلغ ذلك.
أنا لست اليوم ذاتي التي كنت عليها قبل أربعة أعوام. إن مفهومي عن نفسي أشبه بمزاجي، يتغير من لحظة لأخرى، ويُصادفني أن أرى نفسي “كائناً جديداً بشكل جذري”.
إن العالم قِدرٌ ضخمٌ يُطهى فيه شيءٌ عظيمٌ، لكننا لا نعرف ماهيته حتى الآن. فكل ما نفعله أو نلمسه أو نفكر فيه هو أحد مكونات ذلك الخليط. لذا، يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا نضيف إلى هذا القِدر؟ أَنُضيفُ استياءً أو عداواتٍ، غضبًا أو عنفًا، أم نضيف حبًا وانسجامًا؟ عندما أفكر فيك، فإن المكون الذي أضيفه هو ابتسامةٌ عريضةٌ.
إنَّ الروعة الحقيقية تكمن فيما تمتلكانه في لحظتكم الراهنة، لا فيما ستسترجعانه لاحقًا من ذكرياتٍ تائهةٍ في ضباب الذاكرة الباكية.
لمَ الفنُّ بهذا الجمال؟ لأنه لا يبتغي غايةً، ولمَ الحياةُ بهذا القُبح؟ لأنها مُثقلةٌ بالغايات والأغراض والأهداف.
وسيتقبل البحر توبتي ويقبلني. إنه يقبل الجميع، الخطاة والصالحين على حد سواء. له شرط واحد: أن يكونوا شجعاناً.
في الوجه هدوءٌ غريب لا أستوعبه. هل هو أثر الشيخوخة وبُعد المسافة، أم أنه حكمةٌ تكللت بها نهاية المطاف؟
الانتظار محنةٌ قاسية، به تتمزق أوصال النفوس، وفيه يحتضر الزمن مدركًا فناءه. إن المستقبل وإن ارتكز على مقدماتٍ واضحة، إلا أنه قد يحمل في طياته نهاياتٍ متناقضة. فليشرب كل ملهوفٍ من كأس القلق ما شاء.
لولا الألمُ لَغَدَا المرضُ راحةً تُدْني الكسلَ، ولولا المرضُ لافترستِ الصحةُ أسمى نوازعِ الرحمةِ في الفؤادِ البشريِّ، ولولا الصحةُ ما نهضَ المرءُ بواجبٍ ولا بادرَ إلى مكرمةٍ، ولولا الواجباتُ والمكرماتُ لَخَلا وجودُ الإنسانِ في هذه الحياةِ من غايةٍ ومعنى.
الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات. إن كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقًا صغيرًا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.
إنه عربةٌ تقف عند كل باب، يصحح كل الأخطاء، ويجفف كل الدموع، إنه سكينٌ على رقاب العباد، ونقطةٌ في نهاية كل سطر! إذا كانت الشيخوخة انسحابًا هادئًا من الحياة، فالموت هو غاية هذا الانسحاب. قليلون هم أصدقاء الموتى! أن أموتَ فهذا لا يرعبني، ولكن أن أموتَ عارًا فهذا هو المخيف حقًا! هؤلاء العظماء كالأشجار، يموتون واقفين، وإذا ماتوا، جاء موتهم عند قمتهم. أن تموت أسدًا خيرٌ من أن تعيش كلبًا. الموت هنا، الموت هناك، الموت مشغولٌ بالحياة في كل مكان. كل مكان مقبرة، كل زي كفن، كل بداية نهاية، وكل حي ميت.