اضربْ في أرجاء الدنيا، سافِرْ حيث شئتَ. سترى أشياء كثيرةً في العالم تُغنيك، وتفتح أمامك آفاقًا لم تكن تخطر لك على بالٍ. كل هذا يُجددك.
لقد استوردنا نظرية القومية من أوروبا، وذلك لأنه خلال سيطرة الغرب علينا، استطاع أن يحوّل تجاربه الخاصة إلى قوانين عامة يُزعم أنها صالحة للجنس البشري قاطبة.
ولا يفوتنا أن نستنكر سيطرة الدهماء، وهي النتيجة المحتومة؛ فكلما طال أمد القتال الشعبي، ضعفت قبضة القيادات التقليدية، وزادت سيطرة الجماهير وقطاعاتها الأشد تطرفًا بالذات، خاصة إذا كانت قطاعات واسعة في القيادة ترغب بالنجاة بنفسها والتسليم.
جرى على الناس ما لم يُسطّر في كتاب، ولم يكن لأحد في حساب؛ ولا يمكن الوقوف على كلياته فضلًا عن جزئياته، ومنها: عدم النوم ليلًا ونهارًا، وعدم الطمأنينة، وغلاء الأقوات، وتوقع الهلاك في كل لحظة، والتكليف بما لا يُطاق، ومغالبة الجهلاء للعقلاء، وتطاول السفهاء على الرؤساء، وتهور العامة، ولفظ الحرافيش، وغير ذلك مما لا يمكن حصره.
والمشكلة الحالية التي نواجهها هي محاولة إدخال واقعنا العربي في القالب الغربي للقومية؛ محاولة الحركات السياسية أن تثبت شرعيتها بالحصول على مطابقة لأهدافها بموجب التعريفات والنظريات الأوروبية. لقد استوردنا القومية العربية، أو بمعنى أصح مواصفاتها، من الخارج، وفشلت محاولات تركيبها محليًا.
لقد غدت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، بينما منادي الإيمان ينادي: الرحيل! الرحيل! فلم يبقَ من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم قد يكون رياءً وتخييلاً! فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع علائق الدنيا الآن فمتى تقطعها؟