تغرّبْ عن الأوطانِ في طلبِ العُلا … وسافرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ: تفرُّجُ همٍّ، واكتسابُ معيشةٍ … وعلمٌ، وآدابٌ، وصحبةُ ماجدِ.
فإن قيلَ في الأسفارِ ذُلٌّ ومحنةٌ … وقطعُ الفيافي وارتكابُ الشدائدِ فموتُ الفتى خيرٌ له من قيامِه … بدارِ هوانٍ بين واشٍ وحاسدِ
إذا صَحَّ أننا نرتفعُ من خلالِ المعاناةِ وننحطُّ بالاستغراقِ في المتعِ، فذلك لأننا نختلفُ عن الحيواناتِ. إنَّ الإنسانَ ليسَ مفصلاً على طرازِ داروينَ، كما أنَّ الكون ليسَ مفصلاً على طرازِ نيوتنَ.
لا تكتمل منفعة الارتحال من موطنٍ إلى آخر إلا بانتقال النفس من حالٍ شعوريٍّ إلى حالٍ آخر، فإذا ما لازمك الهمُّ في سفرك، فأنت في الحقيقة مقيمٌ لم تبرح مكانك.
ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ من راحةٍ، فدعِ الأوطانَ واغترِبِ. سافِرْ تجدْ عوضًا عمَّن تفارقهُ، وانْصَبْ فإنَّ لذيذَ العيشِ في النَّصَبِ. إني رأيتُ وقوفَ الماءِ يفسدُهُ، إنْ ساحَ طابَ وإنْ لم يجرِ لم يطِبِ. والأسدُ لولا فراقُ الأرضِ ما افترستْ، والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يُصِبْ. والشمسُ لو وقفتْ في الفلكِ دائمةً، لَمَلَّهَا الناسُ من عُجْمٍ ومن عربِ. والتِّبرُ كالترابِ مُلقًى في أماكنِهِ، والعودُ في أرضِهِ نوعٌ من الحطبِ. فإنْ تغرَّبَ هذا عزَّ مطلبُهُ، وإنْ تَغرَّبَ ذاكَ عزَّ كالذهبِ.